ـــــــــــــــــــــــــــــ
332 -"بَابُ فَضْلِ الجُمُعَةِ" (1)
392 -الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ"أيْ غُسْلًا شَرْعِيًَّا كَغُسْلِ الجَنَابَةِ لا غُسْلَ تَبَرُّدٍ واسْتِحْمَامٍ، أوْ غُسْلًا مُتَرَتِّبًَا عن الجَنَابَةِ بأنْ جَامَعَ واغْتَسَلُ، لِحَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، فَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرُ سَنَةٍ، صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا" (2) . قَالَ وَكِيعٌ: معنى قوله"مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ"أيْ: اغْتَسَلَ هُوَ وَغَسَّلَ امْرَأَتَهُ، يَعْنِي أَحْوَجَهَا إلى الاغْتِسَالِ بِسَبَبِ مُجَامَعَتِهِ لَهَا"ثُمَّ رَاحَ"أيْ فِي السَّاعَةِ الأُوَلَى"فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً"أيْ: فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِبَدَنَةٍ، وهي الذَّكر أو الأُنْثَى من الإِبل."وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ"أيْ لَهُ قَرْنَانِ، وهو أفضل وأكمل."وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً (3) ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ"أيْ دَخَلَت المَلاَئِكَةُ المَسْجِدَ، وَحَضَرَتْ فِيهِ"يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ"أيْ: الخُطْبَة.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: فَضْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَصَلاةِ الجُمُعَةِ وتَمْيِيزِهَا بِمَلاَئِكَةٍ مَخْصُوصِينَ، يَقِفُونَ على أبْوَابِ المَسَاجِدِ، يسجلون ثواب الحاضرين إلى الجُمُعَةِ على حسب أوقات حضورهم.
ثانيًا: اسْتِحْبَابُ الاغْتِسَالِ لصَلاةِ الجُمُعَةِ لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَتَّبَ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ المَذْكُورَةِ عليه فَقَالَ:"مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً".
ثالثًا: اسْتِحْبَابُ التَّبْكِيرِ لصَلاةِ الجُمُعَةِ لأَنَّ الثَّوَابَ مُتَفَاضِلٌ بِحَسَبِ التَّبْكِيرِ إليها، فمن حضر إلى المسجد في السَّاعة الأولى كان ثوابه أكثر مِمَّنْ حضر إليه في الثَّانية، وهكذا. والمراد بالسَّاعَاتِ الخَمْسَةِ عند الجمهور السَّاعَاتِ الزَّمَنِيَّةِ المَعْرُوفَةِ. وقال مالك:"هِيَ لحظات تبدأ بالزَّوَالِ وَتَنْتَهِي بِجُلُوسِ الإِمَامِ على المنبر". قال في"التمهيد لما في الموطأ":"وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْبُكُورَ إِلَى الْجُمُعَةِ غُدْوَةً وَضُحًى، وَيُسْتَحَبُّ التَّهْجِيرُ عَلَى قَدْرٍ؛ إِلَّا مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا عَنِ الْمَسْجِدِ فَلْيَخْرُجْ قَدْرَ مَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَة. َ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدُوَادُ: يُسْتَحَبُّ الْبُكُورُ إِلَى الْجُمُعَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْبُكُورُ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي التَّهْجِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَاكِرًا؛ فَقَالَ: هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ فِي هَذَا؟! وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كَالْمُهْدِي جَزُورًا وَكَالْمُهْدِي كَذَا؟. وَكَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يَمِيلُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَيُنْكِرُ قَوْلَ مَالِكٍ وَقَالَ: هُوَ تَحْرِيفٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَمُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَكُونُ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ"