فهرس الكتاب
أيْ هذا بَابٌ يُذْكَرُ فِيه مَشْرُوعِيَّةُ التَّلْبِيَةِ إذا هَبَطَ وَادِيًَا كَمَّا تَدُلُّ عليه الأحَادِيثُ المَذْكُورَةُ فِيهِ.
597 -عَنْ ابْنِ عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ، أَوْ ك ف ر، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي» ".
597 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: لِهَذَا الحَدِيثِ بِدَايَةٌ وسَبَبٌ كَمَا فِي الأَصْلِ مِنْ"صحيح البُخَارِيّ":"عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ:"أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي"أي كأنَّي أشاهده الآن، وأراه بعيني رؤيا حقيقية، وهو يَهْبِطُ وَادِيَ الأَزْرَقِ بين مَكَّةَ والمَدِينَةِ مُلَبِّيًَا، وفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ:"سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّة وَالْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ:"كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَة، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي".
"قَوْله: (فَجَعْدٌ) قال النووي:"قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِالْجَعْدِ هُنَا جُعُودَةُ الْجِسْمِ وَهُوَ اجْتِمَاعُهُ وَاكْتِنَازُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ جُعُودَةُ الشَّعْرِ وَأَمَّا الْجَعْدُ فِي صِفَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: فِيهِ مَعْنَيَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ اكْتِنَازُ الْجِسْمِ. وَالثَّانِي: جُعُودَةُ الشَّعْرِ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ رَجِلُ الشَّعْرِ - هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ - وَالْمَعْنَيَانِ فِيهِ جَائِزَانِ؛ وَتَكُونُ جُعُودَةُ الشَّعْرِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي لَيْسَتْ جُعُودَةَ الْقَطَطِ بَلْ مَعْنَاهَا أَنَّهُ بَيْنَ الْقَطَطِ وَالسَّبِطِ (1) وَاللَّهُ أَعْلَمُ"اهـ (2) . قال في"عمدة القاري": (وَقَوْله:(آدم) ، من الأدمة وَهِي فِي النَّاسِ السُّمْرَةُ الشَّدِيدَةُ، وَقيل: هُوَ من أدمة الأَرْضِ، وَهِي: لَوْنهَا، وَبِه سُمِّيَ آدَمُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والأُدْمَةِ فِي الْإِبِل الْبيَاضُ مَعَ سَوادِ المُقْلَتَيْنِ، يُقَال: بَعِيرٌ آدَمُ بَيِّنَ الأُدْمَةِ، ونَاقَةٌ أَدْمَاءُ. وَقَوْله: (مخطوم) ، أَي: مَزْمُوم بالخُلْبَةِ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام وَضمّهَا وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي اللِّيفَةُ) اهـ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: اسْتِحْبَابُ التَّلْبِيَة عند كُلِّ هُبُوطٍ وَصُعُودٍ وفِي بُطُونِ الأَوْدِيَةِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي".
(1) السَّبِطُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْبَاءِ مَعَ كَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ؛ كَمَا فِي كَتِفٍ وَبَابِهِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الشَّعْرُ السَّبِطُ هُوَ الْمُسْتَرْسِلُ لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّرٌ. وَيُقَالُ فِي الْفِعْلِ مِنْهُ: سَبِطَ شَعْرُهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ يَسْبَطُ بِفَتْحِهَا سَبَطًا بِفَتْحِهَا أَيْضًا.