عَنِ الْجَاهِلِينَ) ولا شَكَّ أَنَّ هذه الأمور الثَّلاثَةِ هي دَعَائِمُ الخُلُقِ الكامل الذي تُكْتَسَبُ به مَحَبَّةُ النَّاسِ، وتُجْمَعُ به القلوب المتنافرة، وتَتَوَثَّقُ بِهِ الرَّوَابِطُ الاجتماعية.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ دَلَّ على تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (خُذِ الْعَفْوَ) وهو ما ترجم به البُخَارِيّ.
(1) لَمْ تفسر هذه الآية لأَنَّ فِي حديث الباب وشرحه ما يكفي فِي تفسيرها.
883 -"بَابُ قَوْلِهِ: وَآخَرُوْنَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا،"
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ""
معنى الآية الكريمة: روي في سبب نزول هذه الآية أنَّ جَمَاعَةً تخلفوا عن غزوة تبوك، منهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن خذام، فندموا على ما فعلوا، وربطوا أنفسهم فِي سَواريِّ المسجد، وأقْسَمُوا لا يُحِلَّهُم إلاّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما قدم رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلم بخبرهم، أَقْسَمَ أنْ لا يحلهم حتى ينزل فيهم قرآن، فأنزل الله فيهم هذه الآية الكريمة: ومن أهل المدينة أناس آخَرُوْنَ غير المنافقين وهم أبو لبابة، ومن معه، هؤلاء اعترفوا بذنوبهم، ولم ينكروها كما فعل المنافقون وخلطوا عملًا صالحًا، وهو خروجهم مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الغَزَوَاتِ السَّابِقَةِ وآخر سيئًا وهو هذا التَّخَلُّف الذي وقع منهم بدون عذر، هؤلاء عسى الله أنْ يتوب عليهم، ويقبل عذرهم، والله يقبل التوبة، ويعفو ويصفح، وهو الغفور الرحيم. قال العيني:"فَهَذِهِ الْآيَة وَإِن كَانَت نزلت فِي أُنَاسٍ مُعَيَّنِينَ إِلَّا أَنَّهَا عَامَّة فِي كُلِّ المُذْنِبِينَ الْخَطَّائِينَ المُخَلِّطِينَ المُتَلَوِّثِينَ. وَقَالَ مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نزلت فِي أَبِي لُبَابَةَ وَجَمَاعَةٍ من أَصْحَابه تَخَلَّفُوا عَن غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَقَالَ بَعضهم: أَبُو لبَابَة وَخَمْسَة مَعَه، وَقيل: وَسَبْعَة مَعَه، وَقيل: وَتِسْعَة مَعَه) ... {لما أخبر الله تَعَالَى عَن حَال الْمُنَافِقينَ المُتَخَلِّفِينَ عَن الْغَزَاةِ رَغْبَةً عَنْهَا وتَكْذِيبًا. شَرَعَ فِي بَيَان حَال الَّذين تَأَخَّرُوا عَن الْجِهَاد كسلًا وميلًا إِلَى الرَّاحَة مَعَ إِيمَانهم وتصديقهم بِالْحَقِّ، فَقَالَ: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} أَي: أقرُّوا بهَا واعترفوا فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَلَهُم أَعمال أخر صَالِحَة خلطوا هَذِه بِتِلْكَ فَهَؤُلَاءِ تَحت عَفْو الله وغفرانه. فَهَذِهِ الْآيَة وَإِن كَانَت نزلت فِي إناس مُعينين إِلَّا أَنَّهَا عَامَّة فِي كُلِّ المُذْنِبِينَ الْخَطَّائِينَ المُخَلِّطِينَ المُتَلَوِّثِينَ"اهـ (1) .