(1) "شرح الزرقاني على الموطأ": [بَاب النَّذْرِ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامِ عَنْ الْمَيِّتِ] ج 2 ص 276.
706 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ» كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
706 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الوِصَالِ"أَيْ نَهَى أُمَّتَهُ رَحْمَةً وَرِفْقًَا بِهِم عَنْ مُواصَلَةِ الصَّوْمِ يَوْمَيْنِ بِتَرْكِ الطَّعَامِ لَيْلًا ونَهَارًَا قَصْدًَا وَعَمْدًَا فَإِنْ أَمْسَكَ اتِّفَاقًَا فَلا يُعَدُّ وِصَالًا."فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ!"أيْ فَكَيْفَ تَنْهَانَا عن شَيْءٍ تفعله وقد أمرتنا باتباع سُنَّتِك؟"قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟"وهو اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْي، أي ليس الأمر كما تَظُنُّون، فإنَّ الوصال لم يشرع لكم، وإِنَّمَا هو خصوصية من خصوصيات نبيكم، فلا تقيسوا أنفسكم عليَّ، فإنَّكم لستم مثلي، ولا تقدرون على ما أقدر عليه، وفِي رِوَايَةٍ:"إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم""إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ (1) "أَثْنَاءَ اللَّيْلِ وَيُمِدَّنِي بِالطَّعَامِ والشَّرَابِ فِيهِ، أوْ يُعْطِيَنِي قُوَّةَ الأَكْلِ والشُّرْبِ فِيهِ، وبذلك يمكنني من مواصلة الصِّيَامِ دُونَ إِعْيَاءٍ.
ويُحتمل أنَّه أراد به حقيقة الأكل والشُّرْبِ. وأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يؤتى بِطَعَامٍ وشَرَابٍ من عند الله تعالى كرامةً له فِي ليالي صيامِه، ولا يقال إنَّ هذا الاحْتِمَال يضعفه قولهم: إِنَّكَ تُوَاصِل، وكونه يؤتى بالطَّعَامِ والشَّرَابِ لَيْلًا يُنَافِي الوِّصَالَ، لأنّ هذا الإِطْعَام والإِسْقَاء من باب الكرامة، ولا تجري عليه أحكام المكلفين."قال: فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ"أي تمادوا عليه"وَاصَلَ بِهِمْ"أيْ اسْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِم على مواصلة الصَّوْمِ يَوْمَيْنِ"ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ"أيْ هلال شَوَّالٍ،"فَقَالَ:"لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُم"؛ أيْ لَيْتَ هِلال شَوَّال تَأخَّرَ حتى أزيد فِي عدد أيام الوِصَالِ،"كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ"أي قال ذلك زَجْرًَا وتَأْدِيبًَا لَهُم، حيث كلفوا أنفسهم ما لا يطيقون، ولذلك قال لهم كما في رواية أخرى للبخاري:"فَاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ"."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: كَرَاهِيَةُ الوِصَالِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ حيث حَمَلُوا النَّهْيَ على الكَرَاهَةِ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واصل بالصَّحَابَة كما فِي حديث الباب، وَلَوْ كان حَرَامًَا لَمَا واصل بِهِم. قال فِي"الاستذكار":