قَالَ العَيْنِيُّ:"أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن عَسْبِ (1) الْفَحْلِ، وَهُوَ بِفَتْح الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَقد اخْتلف أهل اللُّغَة فِيهِ: هَل هُوَ الضِّرابُ أَو الْكِرَاءُ الَّذِي يُؤْخَذ عَلَيْهِ أَو مَاءُ الْفَحْلِ؟ فَحكى أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: أَنه الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ على ضراب الْفَحْل، وَبِه صدر الْجَوْهَرِي كَلَامه فِي (الصِّحَاح) ، ثُمَّ قَالَ: وعسب الْفَحْل أَيْضا ضرابه. وَيُقَال: مَاؤُهُ، وَصدر صَاحب (الْمُحكم) كَلَامه بِأَن العسب: ضراب الْفَحْل، ثمَّ قَالَ: عسب الرجل يعسبه عسبا أعطَاهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد: العسب فِي الحَدِيث الْكِرَاء، وَالْأَصْل فِيهِ الضراب. قَالَ: وَالْعرب تسمي الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه، أَو من سَببه، كَمَا قَالُوا للمزادة: رَاوِيَة، والرَّاوِيَةُ: الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ، قَالَ شَيخنَا: وَيدل على مَا قَالَه أَبُو عبيد رِوَايَة الشَّافِعِي: (نَهَى عَن ثَمَنِ بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ) ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْمَشْهُور فِي الفقهيات أَنَّ العَسْبَ الضِرَابُ، وَقَالَ الْغَزالِيّ: هُوَ النُّطْفَة. وَقَالَ أَبُو عَليّ: وَلَا يتَصَرَّف مِنْهُ فعل، يُقَال: قطع الله عَسْبَهُ أَي: مَاءَهُ ونسله، وَنقل ابْن التِّين عَن أَصْحَاب مَالك: أَنَّ معنى عَسْبُ الْفَحْلِ أَنْ يتَعَدَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَجْرٍ. وَقَالُوا: لَيْسَ بِمَعْقُولٍ أَنْ يُسَمَّى الْكِرَاءُ عَسْبًا"اهـ.
(1) قال الحافظ فِي"الفتح":"يُقَالُ لَهُ الْعَسِيبُ أَيْضًا. وَالْفَحْلُ الذَّكَرُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ فَرَسًا كَانَ أَوْ جَمَلًا أَوْ تَيْسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ:"نَهَى عَنْ عَسْبِ التَّيْسِ"؛ وَاخْتلف فِيهِ فَقيل: هُوَ مَاءِ الْفَحْلِ؛ وَقِيلَ أُجْرَةُ الْجِمَاعِ وَعَلَى الْأَخِيرِ جَرَى الْمُصَنِّفُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ:"نَهَى عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ"؛ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي عَدَمِ الْحَمْلِ عَلَى الْإِجَارَةِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ مَنْفَعَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الْإِجَارَةِ لَا الثَّمَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ قَتَادَةَ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ:"أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَجْرَ ضِرَابِ الْجَمَلِ". وَقَالَ صَاحِبُ"الْأَفْعَالِ":"أَعْسَبَ الرَّجُلُ عَسِيبًا اكْتَرَى مِنْهُ فَحْلًا يُنْزِيهِ"؛ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَبَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَهُوَ قَول الْحسن وبن سِيرِينَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
760 -عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ:"نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
760 -ترجمة راوي الحديث عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْبُنَانِيّ البَصْرِيّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ. أخرج البُخَارِيّ فِي الْإِجَازَة عَن عبد الْوَارِث بن سعيد وَابْن عُلَيَّة عَنهُ عَن نَافِع. رَوَى عَن: إبراهيم النخعي، وأنس بن مالك، والضَّحَّاك بن مزاحم، وعبد الله بن أَبي مليكة، وعبد الملك بن عُمَير، وأبي اليقظان عثمان بن عُمَير، وعطاء بْن