أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الحُقُوقِ الاجْتِمَاعِيَّةِ بِرُّ الوالدِّين، فإنَّهُ يَأتِي فِي المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بعد الإيِمَانِ بِاللهِ تَعَالَى، ولهذا جَمَعَ اللهُ تَعَالَى بين الأَمْرِ بالتَّوْحِيدِ وبِرِّ الوَالِدِّينِ، فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ تَعَالَى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالدِّين إِحْسَانًا) لأَنَّ اللهَ هو السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ لِوُجُودِ الإنْسَانِ، والأَبْوَانِ هُمَا السَّبَبُ الظَّاهِريُّ لِوُجُودِهِ، لَكِنَّ حَقَّ الأُمِّ أَعْظَمُ من حَقِّ الأَبِ كَثِيرًَا، لِكَثْرَةِ أفْضَالِهَا على وَلَدِهَا، وَكَثْرَةِ مَا تَحَمَّلَتْهُ من المَتَاعِبِ الجِسْمِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ أثْنَاءَ حَمْلِهَا به، وَوَضْعِهَا وإرْضَاعِهَا له، وخِدْمَتِهَا وشَفَقَتِهَا عَلَيْهِ كما أَشَارَ إلى ذلك القُرْآنُ الكَرِيمُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) لهذا كَرَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوَصِيَةَ بِهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وذَكَرَ حَقَّ الأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لأَنَّ الجَزَاءَ من جِنْسِ العَمَلِ، فالتَّثْلِيثُ فِي مُقَابَلَةِ ثَلاثَةِ أَشْيَاءٍ مُخْتَصَّةٍ بِالأُمِّ، وهِيَ: تَعَبُ الحَمْلِ، والوَضْعُ، والرَّضَاعُ.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ جَوَابًَا للتَّرْجَمَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1132 - قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَالحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِطْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: - قَالَ سُفْيَانُ: لَمْ يَرْفَعْهُ الأَعْمَشُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَفَعَهُ حَسَنٌ وَفِطْرٌ - عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1132 - ترجمة راوي الحديث فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ الْحَنَّاطُ: مولى عَمْرو بن حُرَيْث الْكُوفِي؛ وَيُكْنَى أَبَا بَكْرٍ. أخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب عَن الثَّوْريّ عَنهُ عَن مُجَاهِد وطاووس بْن كَيسان وَالْحسن بن عَمْرو ثَلَاثَتهمْ. كَانَ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَكْتُبُ عِنْدَهُ، وَكَانَتْ لَهُ سِنٌّ عَالِيَةٌ وَلِقَاءٌ. رَوَى عَن: أبيه خليفة، وسعد بن عُبَيدة، وشرحبيل بْن سعد مولى الأنْصَار، وأبي وائل شقيق بْن سلمة الأسدي، وشمر بْن عطية، وعاصم بْن بهدلة، وأبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وعامر الشعبي، وعَبْد الله بْن شَرِيك العامري، وعبد الجبار بْن وائل بْن حجر، وعطاء بْن أَبي رباح، وعطاء الشيبي وعداده في الصَّحَابَة، وعكرمة مولى ابْن عَبَّاس، وغيرهم. وَرَوَى عَنه: بَكْر بْن