الطَّلاَقُ لُغَةً: عِبَارَةٌ عن حَلِّ القَيْدِ الحِسِّي كَقَيْدِ الأَسِيرِ أو الدَّابَّةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ على حَلِّ القَيْدِ المَعْنَوِي كَقَيْدِ النِّكَاحِ، يُقَالُ: طَلَقَتِ المَرْأَةُ وَطَلُقَتْ المرأة، بِتَخْفِيفِ اللام المَفْتُوحَة، والمَضْمُومَة إذا بَانَتْ. قال الحافظ:"الطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ: حَلُّ الْوَثَاقِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْإِرْسَالُ وَالتَّرْكُ وَفُلَانٌ طَلْقُ الْيَدِ بِالْخَيْرِ أَيْ كَثِيرُ الْبَذْلِ. وَفِي الشَّرْعِ: حَلُّ عُقْدَةِ التَّزْوِيجِ فَقَطْ؛ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ أَفْرَادِ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيّ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ:"هُوَ لَفْظٌ جَاهِلِيٌّ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهِ". وَطَلُقَتِ الْمَرْأَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا وَهُوَ أَفْصَحُ؛ وَطُلِّقَتْ أَيْضًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ الثَّقِيلَةِ. فَإِنْ خُفِّفَتْ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْوِلَادَةِ وَالْمُضَارِعُ فِيهِمَا بِضَمِّ اللَّامِ وَالْمَصْدَرُ فِي الْوِلَادَةِ طَلْقًا سَاكِنَةُ اللَّامِ فَهِيَ طَالِقٌ فِيهِمَا". وقال القاري:"وَمعنى الطَّلَاق فِي اللُّغَة: رفع الْقَيْد مُطْلَقًا، مَأْخُوذٌ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَعِيرِ وَهُوَ إرْسَالِهِ من عِقَالِهِ". والتَّعْرِيفُ الشَّرْعِيُّ فَرْدٌ من معناه اللغوي العام. وحُكْمُهُ ثَابِتٌ فِي الكِتَابِ، والسُّنَّةِ، والإِجْمَاعِ، والقِيَاسِ الصَّحِيحِ"."
وَالطَّلَاقُ ظَاهِرَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ ودِينِيَّةٌ قَدِيمَةٌ كانت مَعْرُوفَةً فِي الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ من شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغيرها، ومعروفة عند العرب فِي الجَاهِلِيَّةِ حيث اسْتَعْمَلُوا الطَّلاقَ دُونَ حَدٍّ ولا عَدٍّ، حتَّى جَاءَ الإِسْلامُ فَقَضَى على هذه المَضَارَّةِ كما رُوِيَ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا قالت:"كَانَ النَّاسُ وَالرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لامْرَأَتِهِ: وَالله لا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي مِنِّي وَلا أؤوِيِكِ أَبَدًا. قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ، فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكِ. فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَسَكَتَتْ حَتَّى جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (2) . وهكذا كان الطَّلَاقُ يُسْتَعْمَلُ وَسِيلَةً للتَّشَفِّي والانْتِقَامِ من الزَّوْجَةِ، فلمَّا جَاءَ الإِسْلامُ قَضَى على ذلك كله، وَوَضَعَ حَدًَّا لِعَدَدِ مَرَّاتِ الطَّلاقِ، ونَظَّمَهُ تَنْظِيمًَا صَحِيحًَا يَحْفَظُ لِكُلٍّ من الطَّرَفَيْنِ فيه كرامة الإنسان."
حكمه: لما كانت العلاقة الزَّوْجِيَّةِ من أقدس العلاقات ولهذا سمّى الله عقد النِّكاح ميثاقًا. فكل ما يؤدي إلى قطع هذه العلاقة وإلغاء ذلك الميثاق فهو بَغِيضٌ إلى الله تعالى لما يقضي عليه من منافع مُشْتَرَكَة بين الزَّوْجَيْنِ لذلك حذَّر من الطَّلاقِ، وروي عن ابن عمر أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّه الطَّلاقُ" (3) ! قال فِي"تَيْسِير العَلَّام":"والأَصْلُ فِي الطَّلاقِ الكَرَاهَة للحَدِيثِ (الضَّعيفِ) المُتَقَدِّم، ولأنَّهُ حَلٌّ لعُرَى النِّكَاحِ الذي رغَّبَ فيه الشَّارِعُ، وجَعَلَهُ سَبَبًَا لِكَثِيرٍ من مَصَالِحِ الدِّينِ والدُّنْيَا، فإنَّ الطَّلاقَ سَبَبٌ فِي إبْطَالِ هذه المَصَالِحِ، واللهُ"