فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 2668

قَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

1 -كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

أقول وبالله التوفيق: جرت عادة المصنِّفين على إطلاق لفظ الباب على مجموعة من المسائل العلمية المشتركة فِي حكم واحد، وعلى هذا جرى البُخَارِيّ حيث ذكر فِي هذا الباب الأحاديث المُتَعَلِّقَة بِالْوَحْيّ، وكيف بدأ وتَدَرَّج من مرحلة إلى أخرى، ومن رؤيا منامية إلى وَحْيٍ صَرِيحٍ. كما ذكر فيه الأحاديث المتعلقة بالْوَحْيّ وتقرير صِحَّتِهِ وثُبُوتِهِ وصِدْقِهِ. ولا شَكَّ فِي أَنَّ تَصْدِيرَ البُخَارِيّ كتابه بباب بدء الْوَحْيّ أمْرٌ فِي غاية المناسبة، والإِبداع والتَّوْثِيقِ العِلْمِي. فإنّ فيه إشَارَةٌ صَرِيحَةٌ إلى أنَّ ما بين دَفَّتَيْهِ من أحاديث النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو وَحْيٌّ إِلَهِيٌّ، وكذلك السُّنَّةُ الصَّحِيْحَةُ كلها. قال يحيى بن كثير:"كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كما يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ"؛ أخرجه الدَّارِمِيّ، وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، وقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ".

أمَّا الْوَحْيّ فله معنيان: معنى لغوي ومعنى شرعي. وإنْ شئتَ قلت: له في اللغة معان عديدة، وله شرعًا معنى واحد. فَالْوَحْيّ لغة يأتِي لِعِدَّةِ مَعَانٍ وهي:

(أ) الإِشَارَةُ الحِسِّيَّةِ بِاليَدِ والعَيْنِ وغَيْرِهِمَا: ومنه قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) .

وكما قال الشاعر: ... نَظَرْتُ إليْها نَظْرَةً فَتَحَيَّرَتْ ... دَقَائِق فِكْري فِى بَدِيْع صِفَاتِهَا

فَأَوْحَى إِلَيْهَا الطَّرْفُ أنِّي أُحِبُّهَا ... فَأثَّرَ ذَاكَ الْوَحْيّ فِي وَجَنَاتِهَا

(ب) الكِتَابَةُ: كقول لبيد (1) :

فَمَدَافِعُ الرَّيَّان عُرِّي رَسْمُها ... خَلَقًا كما ضَمِنَ الْوَحْيّ سِلاَمُها

(فالْوُحِىُّ جَمْعُ وَحْيٍ وهو الكِتَابَةِ) ، وإِنَّمَا سُمِّيَتْ الإِشارة والكتابة وَحْيًَا لِدِلالَتِهِمَا على المعنى بِسُرْعَةٍ لا يُدَانِيهِمَا فيها غيرهما. والعرب تُسَمِّي السُّرْعَةَ وَحْيًا، فيقولون: تَوَحَّى الرَّجُل إذا جاء بسرعة، فهما يرجعان إلى أصل واحد وهو السُّرْعَة.

(جـ) الإِلْهَامُ القَلْبِي: وهو ما يلقيه الله فِي قلب الإنْسان من عِلْمٍ، أو أمْرٍ، أو نَهْيٍ. كما قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت