فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 2668

مقدمة كتاب"منار القاري"

الحمد لله، أحْمده وأستعينه، وأستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. أرسله الله بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ على فَتْرَةٍ من الرُّسِلِ، وقِلَّةٍ من العِلْمِ، وضَلالةٍ من النَّاسِ. ...

وصلّى الله على سيدنا مُحَمَّدٍ الذى أرسله الله إلى الثَّقَلَيْنِ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

وبعد فإنّ أصْدَقَ الحديث كتاب الله، وخيرُ الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأشرف العلوم علم السنة المحمدية، ودراسة أحاديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رواية ودراية، فقهًا وأحكامًا، فالكتاب والسُّنّةِ تَوْأَمَان. وقد كان جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ بالسُّنّة كما يَنْزِلُ بالقرآن. فهي وَحْيٌّ إِلَهِيٌّ مُنَزَّلٌ، وهي المرجع الأوَّل فِي تفسير القُرْآنِ الكَرِيمِ، والمصدر الثَّانِي من مصادر التَّشْريع الإسلامي. ولذلك كان لعلم الحديث مكانته السَّامية، وكان لأهل الحديث مكانتهم المرموقة بين العلماء. ويكفيهم شرفًا أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نوَّه بشأنهم، ودعا لهم بالوجاهة بين الناس، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث زيد بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ" (1) ، وفي لفظ:"نَضَّرَ الله امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِع" (2) .

وقَدْ اسْتِجَابَ اللهُ تَعَالَى دَعْوَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ الحَدِيثِ كما قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللهُ:"فما من أحد يطلب حديثًا إلا وفي وجهِه نَضْرَةٌ". والمراد أنه لا يوجد أحد من طلاب الحديث إلاّ وقد منحه الله تعالى نشاطًا وقوةً في جسمه، وصفاءً في لونه، وبهجةً في صورته، ووجاهةً بين الناس. وإِنَّمَا دعا له النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الدعوة المباركة، لأنه سعى في تجديد سُنَّة المصطفى، فكان جزاؤه من جنس عمله"، كما أفاده القَسْطَلانِيّ."

قال بعض السَّلَفِ:"ويرجى لأهل الحديث أنْ يفوزوا بنَضْرَةِ النَّعيم في الدَّار الآخرة. ولا عجب فأهل الحديثِ هم خلفاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سُنَّته".

وقد كانت أمنية عمري أنْ يَمُنَّ الله عليَّ بخدمة"صحيح البُخَارِيّ"وما زال هذا الحُلُمُ يراود مخيلتي سنين طوالًا، حتى وافتني الفرصة، وتَحَقَّقَ الأمل، فوفّقَنِي اللهُ تَعَالَى إلى تأليف هذا المختصر الذي لخصته من صحيح البُخَارِيّ، ووضعت عليه شرحًا وسطًا يقع في خمس مجلدات أو فِي خَمسة أجزاء، تحرّيت فيه أنْ يكون مُحَقِّقًَا للغرض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت