أيْ اللَّعِبُ بالحِرَابِ جَمْعُ حَرْبَةٍ، وهِيَ آلةٌ حَرْبِيَّةٌ أَصْغَرُ من الرُّمْحِ، والدَّرَقُ جَمْعُ دَرَقَة وهِيَ التُّرْسُ الذي يُتَّقَى بِهِ فِي الحُرُوبِ مِنَ السُّيُوفِ وغيرها.
419 -عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:"دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: «دَعْهُمَا» ، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ» حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: «حَسْبُكِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبِي".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
419 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ" (1) أيْ صَبِيَّتَانِ،"تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ" (بضم الباء وفتح العين) وهو مَوْضِعٌ فِي ديار بني قريظة بالمدينة فيه أموالهم، وفيه وقعت المعركة المشهورة بـ"يوم بعاث"، التي كانت فيها المقتلة العظيمة للأوس والخزرج، والتي استمرت الحرب فيها مائة وعشرين سَنَةً، إلى ظهور الإسلام بالمدينة، وهجرة خير الأنام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليها. وموضعها فِي مكان المزرعة المعروفة اليوم بـ (المبعوث) شرقي المدينة بقرب (العريض) أيْ أنَّ الجَارِيَتَيْنِ كانتا تُنْشِدَانِ الأشعار الحماسية التي قيلت فِي المفاخرة بذلك اليوم."وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ فَأنْكَرَ عليَّ ذلك الغِنَاء، وَزَجَرَنِي بِشِدَّةٍ،"وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ"بحذف هَمْزَةِ الاسْتِفْهَامِ أيْ: أَصَوْتُ الغِنَاءِ والمَلاهِيْ الشَّيْطَانيَّةِ أسمعه مِنْ مَنْزِلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ العَيْنِيُّ: قوله:"مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ"يعني الغِنَاءَ، أو الدُّفِّ، وإِضَافَتِهَا إلي الشَّيْطَانِ من جِهَةِ أنَّها تُلْهِي وتُشْغِل القلب عن ذكر الله،"فقال: دَعْهُمَا"أيْ اتْرُكْهُمَا تغنيان فَإِنّ هذا الغِنَاء الحَمَاسِيِّ لا حَرَجَ فِيهِ."فَلَمَّا غَفَلَ"أيْ نَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،"غَمَزْتُهُمَا"أيْ أَشَرْتُ إليهما بالخُرُوجِ، وكان ذلك اليوم،"يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ"أيْ يَقُومُونَ فِيهِ بألْعَابِ الفُرُوسِيَّةِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: مَشْرُوعِيَّةُ الاحْتِفَالِ بِالعِيدِ، وإقَامَةِ الأَلْعَابِ والرَّقَصَاتِ الحَرْبِيَّةِ فيه.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ".