562 -عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
562 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ"بكسر الفاء أي حتى انتهى ما عنده من المال،"فَقَالَ: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ"أي إنّي لا أمنع عنكم شيئًا من المال يكون عندي فأحتفظ به لغيركم. ثُمَّ حَثَّهُمْ على القناعة والتَّعَفُّفِ عن السُّؤَالِ وطرق الأسباب المشروعة لِكَسْبِ المَالِ، فقال:"وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّه"أي ومن يكف نفسه عن السؤال مرة بعد أخرى يَمْنَحَهُ الله العِفَّةَ، ويجعلها طِبِيعَةً لَهُ رَاسِخَةً فِي نَفْسِهِ، فيأنف السؤال، ويكرهه بطبيعته."وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ"أي ومن يعمل ويسعى ويطرق أسباب الكسب الشَّريف يهيئ الله تعالى له أسباب الغنى ويغنيه عن النَّاسِ."وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ"أي ومن يعود نفسه على الصبر مرة بعد أخرى يمنحه الله إياه حتى يصبح طبيعة له."وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ"أي ما أعطى الله أَحَدًا نعمة ولا خُلُقًَا كَرِيِمًَا أَفْضَلَ ولا أَوْسَعَ من الصَّبْرِ، لأنَّه يتسع لكل الفضائل، فكلها تصدر عنه، وتعتمد عليه من عفة، وشجاعة، وعزيمة، وإرادة، وإباء، وغيرها.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: التَّرْغِيبُ فِي التَّعَفُّفِ عن السؤال، لما فيه من إراقة ماء الْوَجْهِ، وإهدار كرامة الإِنْسان، فلا يجوز إلّا لحاجةٍ ماسَّةٍ على قدر الكفاية عند العجز عن السَّعْيِّ، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِي، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" (1) .
ثانيًا: أَنَّ الأَخْلاقَ الكَرِيِمَةَ يُمْكِنُ اكْتِسَابُهَا والوصول إليها عن طريق التَّعَوُّدِ عليها كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّه".
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ".
(1) قال في"نصب الراية":"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدٍ بِهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ"اهـ.