فهرس الكتاب

الصفحة 2593 من 2668

"كِتَابُ القَدَرِ"

والقَدَرُ: بتحريك الدَّال، وهو مصدر قَدَرْتَ الشَّيْءَ - بفتح الدَّال المخففة - إذا أَحَطْتَّ بِمِقْدَارِهِ. و"ال"فِي كلمة القَدَرِ عِوَضٌ عن المضاف إليه، أيْ تَقْدِيرُ اللهِ للأُمُورِ قبل وقوعها، ولهذا قالوا:"المُرَادُ من القَدَرِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ مَقَادِيرَ الأَشْيَاءِ وأزْمَانِها قبل إيْجَادِهَا، ثُمَّ أوْجَدَ ما سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أنَّهُ يُوجَدُ". قال فِي"التنبيهات السَّنية":"القَدَرُ تعلق علم الله تعالى وإرادته أزلًا بالكائنات قبل وجودها، فلا حادث إلاّ وقد قدّره أزلًا، أي سبق به علمه، وتعلقت به إرادته"اهـ.

قال الحافظ: (قَالَ الرَّاغِبُ:"الْقَدَرُ بِوَضْعِهِ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَعَلَى الْمَقْدُورِ الْكَائِنِ بِالْعِلْمِ، وَيَتَضَمَّنُ الْإِرَادَةَ عَقْلًا، وَالْقَوْلَ نَقْلًا، وَحَاصِلُهُ وُجُودُ شَيْءٍ فِي وَقْتٍ وَعَلَى حَالٍ بِوَفْقِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقَوْلِ. وَقَدَّرَ اللَّهُ الشَّيْءَ بِالتَّشْدِيدِ قَضَاهُ وَيَجُوزُ بِالتَّخْفِيفِ". وَقَالَ بن الْقَطَّاعِ:"قَدَّرَ اللَّهُ الشَّيْءَ: جَعَلَهُ بِقَدَرٍ، وَالرِّزْقَ صَنَعَهُ، وَعَلَى الشَّيْءِ مَلَكَهُ". وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ:"الْمُرَادُ بِالْقَدَرِ حُكْمُ اللَّهِ وَقَالُوا أَيِ الْعُلَمَاءُ الْقَضَاءُ هُوَ الْحُكْمُ الْكُلِّيُّ الْإِجْمَالِيُّ فِي الْأَزَلِ وَالْقَدَرُ جُزْئِيَّاتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلُهُ") اهـ (1) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فِي"العقيدة الواسطية":"وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ، كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:"

فَالدَّرَجَةُ الْأُولَى: الْإِيمَانُ:

(1) بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَا الْخَلْقُ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا. وَعَلِمَ: جَمِيعَ أَحْوَالِهِمْ، مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ.

(2) ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ. فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ؛ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ! قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَمَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، جَفَّتْ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتْ الصُّحُفُ. فَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ: اكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَهَذَا الْقَدَرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلَاةُ «الْقَدَرِيَّةِ» قَدِيمًا، وَمُنْكِرُوهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ.

وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: فَهُيَ: مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ:

وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مِنْ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ. وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت