"قَالَ الفُقَهَاءُ: إنَّ إثْبَاتَ الحَقِّ على الغَيْرِ يُسَمَّى دَعْوَى، وإثْبَاتَ حقِّ الغَيْرِ على نَفْسِهِ يُسَمَّى إقرارًا، وإثْبَاتَ حقِّ الغَيْرِ على الغَيْرِ يُسَمَّى شَهَادَةً"اهـ (1) . وقال الحافظ:"الشَّهَادَاتُ: هِيَ جَمْعُ شَهَادَةٍ؛ وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ وَالْمُشَاهَدَةُ الْمُعَايَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشُّهُودِ أَيِ الْحُضُورِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ عَنْ غَيْرِه. ِ وَقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْإِعْلَامِ"اهـ (2) .
وقال النَّووي:"تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وأدَاؤها فَرْضٌ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا) وقوله تَعَالَى: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) ؛ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"من الكبائر كِتْمَان الشَّهَادَةِ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يقول: (وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) فهى فَرْضٌ على الكِفَايَةِ، فإنْ قَامَ بها من فيه كِفَايةٌ سقط الفَرْضُ عن البَاقِينَ لأنَّ المَقْصُودَ بها حفظ الحقوق؛ وذلك يحصل ببعضهم. وإنْ كَانَ في مَوْضعٍ لا يوجدُ فيه غَيْرُه مِمَّن يقع به الكفاية تَعَيَّنَ عليه، لأنَّه لا يَحْصُلُ المقصودُ إلا بِهِ فَتَعَيَّنَ عليه"اهـ (3) ."
وقال الحافظ في"الفتح":"وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَابِطِ مَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ؛ فَتَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي: النَّسَبِ قَطْعًا وَالْوِلَادَةِ وَفِي الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَقْفِ وَالْوِلَايَةِ وَالْعَزْلِ وَالنِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْوَصِيَّةِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَالْمِلْكِ؛ عَلَى الرَّاجِحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: تَجُوزُ فِي النَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالنِّكَاحِ وَالدُّخُولِ وَكَوْنِهِ قَاضِيًا زَادَ أَبُو يُوسُفَ: وَالْوَلَاءِ؛ وَزَادَ مُحَمَّدٌ: وَالْوَقْفِ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَإِنَّمَا أُجِيزَ اسْتِحْسَانًا؛ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْمُشَاهَدَةِ. وَشَرْطُ قَبُولِهَا أَنْ يَسْمَعَهَا مِنْ جَمْعٍ يُؤَمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَقِيلَ أَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ - وقيل غير ذلك -"اهـ (4) . وأمَّا الحنابلة فقد قالوا:" (وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، غَيْرِ النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ تِسْعَةُ أَشْيَاء: النِّكَاحُ، وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ، وَالْوَقْفُ، وَمَصْرِفُهُ، وَالْمَوْتُ، وَالْعِتْقُ، وَالْوَلَاءُ، وَالْوِلَايَةُ، وَالْعَزْلُ) اهـ (5) ."
وَشُرُوطُ الشَّهَادَةِ سَبْعَةٌ:
الأَوَّل: الإِسْلامُ فلا تَجُوزُ شَهَادَةُ الكَافِرِ إلاّ فِي الوصية أثناء السَّفَر عند أَبِي حَنِيْفَةَ، وشَهَادَةُ الذِّمِيَّ على المُسْلِم فِي الوصية أثناء السَّفَرِ عند أحْمَدَ والشَّافِعِيّ ومَالِكٍ، وشَهَادَةُ الكُفَّارِ بعضهم على بعض عند الحَنَفِيَّةِ.