الْعِتْقُ فِي اللُّغَةِ: الْخُلُوصُ. وَمِنْهُ عِتَاقُ الْخَيْلِ وَعِتَاقُ الطَّيْرِ، أَيْ خَالِصَتُهَا، وَسُمِّيَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ عَتِيقًا؛ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الرِّقِّ. يُقَالُ: عَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَعْتَقْته أَنَا، وَهُوَ عَتِيقٌ، وَمُعْتَقٌ"اهـ (1) ؛ كما قال ابن قدامة."
ولا شَكَّ أنَّ هذه الأبْوَاب: من عِتْقٍ وتَدْبِيرٍ ومُكَاتَبَةٍ تُظْهِرُ بوضوحٍ مَوْقِفِ الإِسْلام من الأَرِّقَاءِ، ومدى تَشَوُّفِهِ إلى تَحْرِيرِهِمْ، وتَكْشِفَ زَيْفَ المُتَّهِمِينَ لَهُ بأنَّه يُهْدِرُ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ، فَالإِسْلامُ لَمْ يَكُنْ أول من شَرَّعَ الرِّقَّ، بل كان مَشْرُوعًَا فِي معظم قوانين العالم ودياناته، وفِي اليونان أَقَرَّهُ أفلاطون وأرسطو، وكذلك القَانُونُ الرُّومَانِيُّ حتَّى أنَّه أَبَاحَ اسْتِرْقَاقَ المَدِينِ إذا لَمْ يَفِ بِدَيْنِهِ وَاسْتِرْقَاقِ الأَسْرَى والتَّلَهِّي بقتلهم وتعذيبهم. وَأَقَرَّ الفُرْسُ والإِسْرَائِيْلِيُّونَ الرِّقَّ، واسْتَبَاحُوا اسْتِرْقَاقَ أهْلِ المدن المفتوحة من النِّسَاءِ والأطْفَالِ، أمَّا الرِّجَالُ فليس لَهُمْ سِوَى القَتْلُ؛ كما هو موجود فِي كتبهم. والنَّصَارَى أَقَرُّوا الرِّقَّ، وأَوْصَوْا بالأَرِقَّاءِ خَيْرًَا"اهـ (2) ."
وجاء الإِسلام فنظّم الرِّقَّ، وألغى كثيرًا من أسبابه فقد كان الرَّجُلُ قبل الإِسْلامِ يَبِيِعُ وَلَدَهُ بَلْ يَبِيِعُ نَفْسَهُ، فَوَضَعَ الإِسْلامُ للرِّقِّ حُدُودًَا، واشْتَرَطَ فِي الأَسْرَى أَنْ يكون أَسْرُهُمْ فِي حَرْبٍ شرعية ينظمها الإِمام لسَبَبٍ مشروعٍ، وأَجَازَ لَهُ أنْ يَمُنَّ على الأسير، وللأسير أنْ يَفْتَدَيَ من مَالِهِ. ثُمَّ أَكْثَرَ الإِسْلامُ بعد ذلك من أسْبَابِ العِتْقِ فَجَعَلَهُ كَفَّارَةٌ للظِّهَارِ والقَتْلِ وفِطْرِ رَمَضَانَ، وَشَرَعَ المكاتبة؛ إلى غير ذلك مِمَّا يَدُلُّ على حِرْصِ الإِسْلام على تَحْرِيرِ الإِنْسْانِ.
(1) "المغني"لابن قدامة: [كِتَاب الْعِتْقِ] ج 10 ص 291.
(2) هذه خلاصة لما قاله الأستاذ فايد فِي تعليقه على"الْمُغْنِي"ج 10 ص 20 - 392 مكتبة القاهرة؛ وللمقارنة بين سماحة الإسلام واحترامه للإنسانية وبين اليَهُودِيَّةِ مَثَلًا؛ نَجِدُ أَنَّ فِي الكتاب المقدس لليهود المسمى"العهد القديم"نُصُوصًَا كثيرة توصي شعب إسرائيل بِغَزْوِ المُجْتَمَعَاتِ والدِّيَانَاتِ الأخرى، وبتدميرِ طاقاتِهَا، وإبادةِ أتباعِهَا، وتسخيرِ شعوبِهَا. ومن ذلك ما جاء فِي"سفر التثنية"- الإصحاح العشرين من 10 - 16 يقول:"حين تقترب من مدينة لكي تحاربها فإن أجابتك إلى الصُّلْحِ فَكُلُّ الشَّعْبِ الموجود فيها يكون للتَّسْخِيرِ ويُسْتَعْبَدُ لَكْ، وَإِنْ لَمْ تُسَالِمك فإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب ذكورها بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَمَّا مُدُنْ هؤلاء الشُّعُوبِ فلا تَسْتَبِقِ مِنْهَا نَسْمَةً مَا!". وفِي سفر التثنية أيضًا: الإصحاح السابع:"إن شعب مقدس للرب إلهك تفترس القوييم (غير اليهود) الذين يدفعهم إليك الرب إلهك فلا تشفق عيناك عليهم!".