وأما ترجمة راوي الحديث الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ مَخْرَبَةَ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ أَبِيرِ. شقيق أبِي جهل. قال الزّبير: كان شَرِيفًا مَذْكُورًا مدحه كعب بن الأشرف اليهودي، وشَهِدَ بَدْرًا مع المشركين، وكان فيمن انْهزم. أسْلَم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّة وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَنَائِمِ حنين مائة من الإبل، وأَصْبَحَ من فَضْلاءِ الصَّحَابَةِ. ولَمْ يزل مُقِيمًا بِمَكَّة بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمَّا جَاءَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْتَنْفِرُ الْمُسْلِمِينَ إلى غزاة الرُّومِ قَدِمَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو جَميعًا على أبِي بَكْرٍ المدينة. ثُمَّ خَرَجُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ غُزَاةً إِلَى الشَّامِ، فَشَهِدُوا، وَشَهِدَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فِحْلًا وَأَجْنَادِينَ. خَلّف اثنين وثلاثين ولدًا منهم عبد الرحمن بن الحارث، أحد الفُقَهَاء السبعة. وَمَاتَ بِالشَّامِ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: تُحَدِّثُنَا السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيّ؟"أيْ أَنَّ الحارث بن هشام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا السُّؤال ليتعرّف على كيفية نزول الْوَحْيِّ، لأَنَّ الْوَحْيَّ هو مصدر هذا الدِّينِ، ولأَنَّ التَّعَرُّفَ عليه والتَّأَكُّدَ منه مِمَّا يُقَوِّي الإيمان ويزيد فِي اليقين. أمَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد عُني بسؤاله هذا لأَهَمِّيَتِه، وأجابه عنه"فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ"أي أنَّ للوَحْي صُوَرًَا مُخْتَلِفَةً، ومن هذه الصُّوَرِ أنَّه يأتِي فِي بعض الأوقات على شكل صوت قوي غريب مبهم، يُشْبِهُ دَقَّات الجرس. لو سَمعه الإِنسان العادي لَمْ يفهم منه شَيْئًَا، ولكن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعي هذا الصَّوْت ويفهم معناه فَوْرَ انْتِهَائِهِ. لأَنَّ اللهَ تَعَالَى الذي عَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كلها قد هداه إلى معناه، وأقدره على فهمه. أمَّا مَصْدَرُ هذه الصَلْصَلَةِ وصوت من هي؟ فالظَّاهِرُ أنَّها صَوْت المَلَكِ الموكل بالْوَحْيّ، لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أخرى للبخاري أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال"يَأْتِى الْمَلَكُ أَحْيَانًا فِى مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ"أي يأتِي المَلَكُ بالْوَحْيّ أحيانًا، فيكلم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَوْتٍ مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ (2) .
وقد كان هذا النَّوع من الْوَحْيّ يأتِي بأصواتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَرُبَّمَا أَتى كَدَوِيِّ النَّحْلِ، وكان الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم يَسْمَعُونَهُ أحْيَانًَا، فَقَدْ قَالَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ"، أخرجه التِّرْمِذِيّ (3) ،"قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ مَا جَاءَ مِثْلَ ذَلِكَ مُجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ وَصُورَتُهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا وَيُحِيلُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَّا ضَعِيفُ النَّظَرِ وَالْإِيمَانِ، إِذْ جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ"