وَدَلَائِلُ الْعُقُولِ لَا تُحِيلُهُ"اهـ (4) ، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ"-أيْ والْوَحْيّ على هذه الصُّوْرَةِ أَشَدّ أنْواعِ الْوَحْيّ على نَفْسِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الحافظ فِي"الفتح":"قَوْلُهُ: وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ؛ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْوَحْيَ كُلَّهُ شَدِيدٌ وَلَكِنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أَشَدُّهَا وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْفَهْمَ مِنْ كَلَامِ مِثْلِ الصَّلْصَلَةِ أَشْكَلُ مِنَ الْفَهْمِ مِنْ كَلَامِ الرَّجُلِ بِالتَّخَاطُبِ الْمَعْهُودِ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْقَائِلِ وَالسَّامِعِ وَهِيَ هُنَا إِمَّا بِاتِّصَافِ السَّامِعِ بِوَصْفِ الْقَائِلِ بِغَلَبَةِ الرُّوحَانِيَّةِ وَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَإِمَّا بِاتِّصَافِ الْقَائِلِ بِوَصْفِ السَّامِعِ وَهُوَ الْبَشَرِيَّةُ وَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ بِلَا شَكٍّ"اهـ (5) . قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ"أي فلا يكاد ينتهي هذا الصَّوْت المبهم الشَّبيه بالصَّلْصَلَةِ وينقطع الإرسال إلا وقد فهِمْتُ ما يعنيه، وماذا قال فيه، لأَنَّ اللهَ الذي عَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كلها قد هدى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأقدره ومكّنه من فهم هذه الصَّلْصَلَةِ."
ثُمَّ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا"أيْ وفِي بعض الأوقات يَصِلُ إليَّ الْوَحْيّ عن طريق الالتقاء الشَّخْصِي بِالمَلَكِ الذي يحمله، فيأتِي المَلَكُ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صورة إِنسان مِنَ البَشَرِ، ويراه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيَانًَا، ويكلمه ويسمع منه كلامًا واضحًا جليًّا، ويلتقي به حقيقةً لا خيالًا، قال ابن خلدون:"وفِي هذه الحالة ينتقل المَلَكُ من الرَّوْحَانِيَّةِ المَحْضَةِ إلى الصَّوْرَةِ البَشَرِيَّةِ، وكان غَالِبًَا مَا يأتِي على صورة دحية الكلبي، أوْسَم العرب، ولا غَرَابَة فِي ذلك، فَإنَّ الملائكة تَتَشَكَّلُ كيف شَاءَت، لأنّهَا أجْسَامٌ نُوْرَانِيَّةٌ لطيفة قادرة بإذْنِ اللهِ على التَّشَكُّلِ بأشكال مختلفة، إلاّ أنَّها لا تتشكل إلاّ بالصُّوَرِ الشَّرِيفَةِ"اهـ (6) ."فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ"أي فيبلغنى ذلك المَلَكُ الْوَحْيّ الذي جاء به من عند الله تَعَالَى بِكَلامٍ صَرِيحٍ وَاضِحٍ، فأفهمه فِي الحال، وهو معنى قوله:"فَأَعِي مَا يَقُولُ"لأَنَّ المضارع المُقْتَرِنِ بالفاء يدل على الحال."قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيّ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: تَنَوُّعُ الْوَحْيّ إلى أنواع مختلفة، فمن أنواعه: أنْ يسمع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتًا مثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ أو دَوِيِّ النَّحْلِ، ومنها التِقَاء المَلَكُ بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَمَثِّلًا فِي صورة إنسان من البشر يُبَلِّغُهُ عن الله عَزَّ وَجَلَّ مَا شَاءَ الله أنْ يُبَلِّغُهُ له من أمْرٍ أو نَهْيٍ أو خبر أو بشارة أو نذارة أو غيرها. وقد يلتقي به فِي جَمْعٍ من الصَّحَابَةِ فيسأله ويُجيبُهُ ثُمَّ يعرفهم به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:"فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"كما فِي حديثِ جِبْرِيلَ المشهور.
ثانيًا: بيانُ ثِقَلِ الْوَحْيّ وشِدَّتِهِ على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِيِّمَا ما كان منه مثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ.
ثالثًا: إثباتُ وُجُودِ الملائكة وقُدْرَتِهم على التَّشَكُّلِ بأشكال مختلفة.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَحْيانًا، وأَحْيانًا"فإنّهُ يَدُلُّ على أَنَّ للوَحْيّ صُوَرًَا مُخْتَلِفَةً.