معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَجْتَهِدُ فِي الليالي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ما لا يجتهد فِي غيرها، فإذا كانت ليلة الحادي والعشرين"شَدَّ مِئْزَرَهُ"أي جد واجتهد في العبادة وقيام الليل، واعتزل النِّساء، وهو مأخوذ من قول الشاعر:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوْا شَدُّوْا مآزِرَهُمْ ... عنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأطْهَارِ
"وَأَحْيَا لَيْلَهُ"أيْ قَامَ معظمَ لَيْلِهِ فِي الصَّلاةِ والذِّكْرِ وتلاوة القرآن، وليس معناه أنَّه أحيا الليل كله، لقول عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلاَّ رَمَضَانَ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم."وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ"أي نَبَّهَهُم من نومهم ليقضوا فترةً منه في الصَّلاةِ وقيام الليل.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَخُصُّ العَشْرَ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ بأعمالٍ لا يعملها فِي غيرها، منها إحياءُ الليلِ وإيقاظُ الأهلِ واعتزالُ النِّساءِ.
ثانيًا: اسْتِحْبَابُ الاجْتِهَادِ فِي العِبَادَةِ وإحْيَاءُ الليلِ وإيقاظُ الأهلِ فِي هذه العشر اقتداءً به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والمطابقة: مِنْ حَيْثُ أَنَّ شَدَّ المِئْزَرِ وإحياء اللَّيْل وإيقاظ الْأَهْل كلهَا من الْعَمَل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر؛ كما أفاده العيني.
وَالِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ اللّبْثُ مُطلقًا. وَيُقَال: الِاعْتِكَافُ (1) والعُكُوفُ: الْإِقَامَة على الشَّيْءِ، وبالمكان ولزومها فِي اللُّغَةِ، وَمِنْه يُقَال لِمَنْ لَازَمَ الْمَسْجِد: عَاكِفٌ وَمُعْتَكِفٌ، هَكَذَا ذكره ابْن الْأَثِير فِي (النِّهَايَة) . وَفِي (الْمُغنِي: هُوَ لُزُوم الشَّيْء وَحبس النَّفس عَلَيْهِ بِرًَّا كَانَ أَو غَيره، وَمِنْه قَوْله تعالي: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ} . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} . وَفِي الشَّرْعِ: الِاعْتِكَافُ الْإِقَامَة فِي الْمَسْجِدِ واللبث فِيهِ على وَجه التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى على صِفَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا.
وهو شريعة قديمة معروفة فِي الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ؛ والمسجد ركن فِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ (2) ، ولهذا قال البُخَارِيّ:"وَالِاعْتِكَافِ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا". ولا بد من النِّيَّةِ، وهِيَ رُكْنٌ عند المالكية والشَّافِعِيَّة، وشَرْطٌ عند الحَنَفِيَّة والحنابلة. وشروطه الإِسْلام والتَّمييز والطَّهارة الكبرى، وزاد المالكية شرطًا وهو الصَّوْم. قال فِي"الْمُدَوَّنَةِ":"وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَيَكُونُ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: لَا يَكُونُ إلَّا بِصَوْمٍ، وَقَالَ ذَلِكَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَنَافِعٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} "اهـ (3) . واشترط الحَنَفِيَّة الصَّوم في الاعتكاف الواجب؛ قال فِي"تبيين الحقائق":"وَالِاعْتِكَافُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ وَهُوَ الْمَنْذُورُ. وَسُنَّةٌ وَهُوَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ فِي غَيْرِهِ مِنْ"