فهرس الكتاب

الصفحة 2657 من 2668

"كِتَابُ الفِتَنِ"

قال الحافظ: (وَالْفِتَنُ: جَمْعُ فِتْنَةٍ. قَالَ الرَّاغِبُ:"أَصْلُ الْفَتْنِ إِدْخَالُ الذَّهَبِ فِي النَّارِ لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِنْ رَدَاءَتِه، ِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي إِدْخَالِ الْإِنْسَانِ النَّارَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَذَابِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ". وَعَلَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا"وعَلى الاختبار كَقَوْلِه:"وَفَتَنَّاك فُتُونًا". وَفِيمَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ وَفِي الشِّدَّةِ أَظْهَرُ مَعْنًى وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا؛ قَالَ تَعَالَى:"وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً"وَمِنْه قَوْله"وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ"أَيْ يُوقِعُونَكَ فِي بَلِيَّةٍ وَشِدَّةٍ فِي صَرْفِكَ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ". وَقَالَ أَيْضًا:"الْفِتْنَةُ تَكُونُ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنَ اللَّهِ وَمن العَبْد، كَالبَلِيَّةِ والمُصِيبَةِ وَالْقَتْلِ وَالْعَذَابِ وَالْمَعْصِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ. فَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ فَهِيَ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ فَهِيَ مَذْمُومَةٌ. فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْإِنْسَانَ بِإِيقَاعِ الفِتْنَةِ كَقَوْلِه تعالى:"وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ"اهـ(1) . فَالأَوَّلُ: مِحْنَةٌ مُقْتَضِيَةٌ للشُّكْرِ، والثَّانِي: مِحْنَةٌ مُقْتَضِيَةٌ للصَّبْرِ، وكلاهما فِتْنَةٌ". قال الشَّيْخُ أبُو غُدَّةَ رحمه الله:"بُلِينَا بِالضَّرَاءِ فَصَبَرْنَا؛ وبُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ" (2) .

والمراد بالفِتَنِ: هنا مَا يُبْتَلَى به العَبْدُ فِي حَيَاتِهِ من المَصَائِبِ، فَإِنْ كان ذلك من الأُمُورِ الخَارِجَةِ عن مَقْدُورِهِ كَالأَمْرَاضِ والأَسْقَامِ فَهِيَ ابْتِلاءٌ من اللهِ لِعَبْدِهِ، واخْتِبَارٌ لإِيمَانِهِ، فَإِنْ صَبْرَ عليها فله البُشْرَى، وإِنْ جَزَعَ فله السَّخَطُ. عن أبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ لَيُجَرِّبُ أَحَدَكُمْ بِالْبَلَاءِ كَمَا يُجَرِّبُ أَحَدُكُمْ ذَهَبَهُ بِالنَّارِ فَمِنْهُ مَا يَخْرُجُ كَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ فَذَاكَ حَمَاهُ اللَّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَمِنْهُ مَا يَخْرُجُ دُونَ ذَلِكَ فَذَلِكَ الَّذِي يَشُكُّ بَعْضَ الشَّكِّ، وَمِنْهُ مَا يَخْرُجُ كَالذَّهَبِ الْأَسْوَدِ فَذَاكَ الَّذِي افْتُتِنَ"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ والحاكم (3) .

وقال ابن القيم:"مَنْ خَلَقَهُ اللهُ للجَنَّةِ لَمْ تَزَلْ هَدَايَاهَا تَأْتِيهِ من المَكَارِهِ. وَمَنْ خَلَقَهُ للنَّارِ لَمْ تَزَلْ هَدَايَاهَا تَأْتِيهِ من الشَّهَوَاتِ. لَمَّا طَلَبَ آدَمُ الخُلُودَ فِي الْجنَّةِ من جَانِبِ الشَّجَرَة عُوقِبَ بِالْخرُوجِ مِنْهَا. وَلَمَّا طَلَبَ يُوسُفُ الْخُرُوجَ من السِّجْنِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الرُّؤْيَا لَبِثَ فِيهِ بِضْعَ سِنِينَ"اهـ (4) . فَمَنْ صَبَرَ على البَلْوَى وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللهِ فَهَنِيئًَا لَهُ بِمَا بَشَّرَ اللهُ عِبَادَهُ الصَّابِرِينَ. وعن أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. قَالَتْ: فَلَمَّا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت