بَعِيدًا منه. وأجيب: بأنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيِّ ذكر تعليقًا عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّهُ صَلَّى بِجَنْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الكُسُوفِ، فَلَمْ يَسْمَع منه حَرْفًا، ووصله البيهقي من ثَلاثَةِ طُرُقٍ أَسَانِيدَهَا وَاهِيَة. وأجيب: على تقدير صحتها بأنَّ مُثْبِتَ الجَهْرِ معه قدر زائد فالأخذ به أَوْلَى، وَإِنْ ثَبَتَ التَّعَدُّد فيكون عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فعل ذلك لبيان الجَوَازِ. قال ابن العربي: والجَهْرُ عِنْدِي أَوْلَى لأنَّها صَلاة ٌجامِعَةٌ يُنَادَى لَهَا وَيُخْطَبُ، فأشْبَهَتْ العَيدَ، وَالاسْتِسْقَاءَ"اهـ (1) ."
ثانيًا: أنَّ صَلاةَ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ، كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ، كما ذَهَبَ إليه الجُمْهُورُ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"جَهَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ".
(1) "شرح القَسْطَلانِيّ على البُخَارِيّ":"بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ"ج 2 ص 280.
أَيْ أَبْوَابُ المَوَاضِعِ التي يُسَنُّ فيها سُجُود التِّلاوَةِ، واتَّفقوا على أنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ. واخْتَلَفُوا فِي كَيْفَيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ، فَذَهَبَتْ المَالِكِيَّةُ والحَنَفِيَّةُ إلى أنَّهَا سَجْدَةٌ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ مَسْنُونَتَيْنِ لَيْسَ فِيهَا إِحْرَام وَلا تَشَهُّد ولا سَلام. وقالت الحنابلة:"هي سجدة بين تكبيرتين واجبتين وسلام" (1) . وَنُدِبَ الدُّعَاءُ فِيها بِما شَاءَ، ومن ذلك أن يقول:"اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ". قال فِي"كشاف القناع":" (وَهِيَ) أَيْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (وَسَجْدَةُ شُكْرٍ: صَلَاةٌ فَيُعْتَبَرُ لَهُمَا مَا يُعْتَبَرُ لِصَلَاةِ نَافِلَةٍ، مِنْ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا) كَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى، يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ فَكَانَ صَلَاةً، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ"اهـ (2) .
وقال شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تيمية:"وَأَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ: فَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ، هَلْ هُوَ مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي تُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ؟ مَعَ أَنَّهُ سُجُودٌ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي حَالِ سُجُودِهِ، بَلْ يُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، وَيُسَلِّمُ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، هَذَا عَنْ مَنْ يُسَلِّمُ أَنَّ السُّجُودَ الْمُجَرَّدَ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ يَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ بِدُونِ الْوُضُوءِ، وَقَالَ: إنَّ السُّجُودَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ مَا لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ. وَهَذَا السُّجُودُ لَمْ يُرْوَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ لَهُ بِالطَّهَارَةِ، بَلْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، سَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ» وَسَجَدَ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَجَدَ التِّلَاوَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهِ الطَّهَارَةَ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَلَّمَ فِيهِ؛ وَأَكْثَرُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ فِيهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي التَّسْلِيمِ أَثَرٌ. وَمَنْ قَالَ فِيهِ تَسْلِيمٌ فَقَدْ أَثْبَتَهُ بِالْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، حَيْثُ جَعَلَهُ صَلَاةً، وَهُوَ مَوْضِعُ الْمَنْعِ"اهـ (3) .