لا يُحِبِّ الفَسَادُ؛ فمن هنا كرهه الشَّارِعُ، لَكِنَّهُ عند الحَاجَةِ إليه نِعْمَةٌ كَبِيرَةٌ حيث يَحْصُل بِهِ الخَلاصُ من العِشْرَةِ المُرَّةِ، وفِرَاقُ من لا خَيْرَ فِي البَقَاءِ معه: إمَّا لضَعْفٍ فِي الدِّينِ، أو سُوْءٍ فِي الأَخْلاقِ، أو غير ذلك مِمَّا يُسَبِّبُ قَلَقَ الحَيَاةِ، وبِهذا تَعْرِفُ جَلالَ هذا الدِّينِ وسُمُوِ تَشْرِيعَاتِهِ وأَنَّها المُوافِقَةُ للعَقْلِ الصَّحِيحِ، والمُتَمَشِّيَةِ مع مَصَالِحِ النَّاسِ وبشرع الطلاق على الكيفية الآتية فِي وسط الأحكام وقوام للأمور، خلافا لليهود والمشركين، الذين يطلقون ويراجعون بلا عد، ولا حد. وَخِلافًَا للنَّصَارَى الذين لا يُبِيحُونَ الطَّلاقَ، فتكون الزَّوْجَةُ غِلاًّ فِي عُنُقِ زَوْجِهَا وإِنْ لَمْ تُوافِقُهُ"اهـ (4) . وقال فِي"الْمُغْنِي":"وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَاقِ، وَالْعِبْرَةُ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا فَسَدَتْ الْحَالُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيَصِيرُ بَقَاءُ النِّكَاحِ مَفْسَدَةً مَحْضَةً، وَضَرَرًا مُجَرَّدًا بِإِلْزَامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، وَحَبْسِ الْمَرْأَةِ، مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ، وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ شَرْعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ، لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ"اهـ (5) ."
وقال فِي"الْمُغْنِي"أيضًا:"وَالطَّلَاقُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ؛ وَاجِبٌ، وَهُوَ طَلَاقُ الْمُولِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا أَبَى الْفَيْئَةَ، وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ، إذَا رَأَيَا ذَلِكَ. وَمَكْرُوهٌ، وَهُوَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَإِعْدَامٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ، فَكَانَ حَرَامًا، كَإِتْلَافِ الْمَالِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَفِي لَفْظٍ عِنْد تَفْرِيطِ الْمَرْأَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهَا، أَوْ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ عَفِيفَةٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَاجِبٌ. وَمِنْ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الشِّقَاقِ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي تُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِتُزِيلَ عَنْهَا الضَّرَرَ. وَأَمَّا الْمَحْظُورُ، فَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَكُلِّ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَيُسَمَّى طَلَاقَ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ خَالَفَ السُّنَّةَ، وَتَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ"اهـ (6) .
(1) "فقه السنة"ج 2.
(2) قال فِي"جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد":"الترمذي (1192) . وضعفه الألبانِي فِي «الإرواء» (2080) " اهـ. قال الألبانِي:"وقال الحاكم:"صحيح الإسناد، ولَمْ يتكلم أَحَدٌ فِي يعقوب بن حميد بِحُجَّةٍ". وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِقَوْلِهِ:"قلت: قد ضَعَّفَهُ غير واحد". قلت: نعم، ولكن الرَّاجِحُ أنَّه حسن الحديث، وعلى كُلِّ حَالٍ فليس هو عِلَّةُ هذا الإسناد لأنَّهُ قد تابعه قتيبة وهو ابن سعيد عند الترمذي وهو ثقة حجة، وإنِّمَا العلة من شيخه يعلى بن شبيب فإنَّهُ مَجْهُول الحال لَمْ يوثقه غير ابن حبان؛ ولهذا قال الحافظ فِي"التقريب":"لين الحديث". وقال الترمذي عقبه:"حدثنا أبو كريب: حدثنا عبد الله بن إدريس عن