"وَأَمَّا الآخَرُ"وهو عِيدُ الأَضْحَى"فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ"أيْ فهو يَوْمٌ شَرَعَ اللهُ لَكُم فيه الأَكْلَ من ذَبَائِحِكُم، فكيف تَتْرُكُونَ الأَكْلَ مِنْها وتَصُومُونَ عنها؟!.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: اسْتِحْبَابُ الأَكْلِ مِنْ لُحُومِ الأَضَاحِي دُونَ تَحْدِيدٍ وتَقْيِيدٍ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ"وفِي حديث سَلَمَةِ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا"وهذا يَدُلُّ على مَشْرُوعِيَّةِ الأَكْلِ، والادْخَارِ، والإِطْعَامِ الشَّامِلِ للهَدِيَّةِ والصَّدَقة دُونَ تَحْدِيدٍ. قال فِي"المجموع":"وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِادِّخَارُ الْيَوْمَ بِحَالٍ وَإِذَا أَرَادَ الِادِّخَارَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَصِيبِ الْأَكْلِ لَا مِنْ نَصِيبِ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْمَبْسُوطِ":"أُحِبُّ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِالْأَكْلِ وَالِادِّخَارِ الثُّلُثَ وَأَنْ يُهْدِيَ الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ"اهـ (1) ، وقالت الحنفية:" (وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ وَيَأْكُلُ غَنِيًّا وَيَدَّخِرُ، وَنُدِبَ أَنْ لَا يَنْقُصَ التَّصَدُّقُ عَنْ الثُّلُثِ) ، أمَّا الأَكْلُ والهَدِيَّةُ فَلا تَحْدِيدُ فِيهِمَا"اهـ (2) ."
ثانيًا: تَحْرِيمُ صِيَامِ العِيدَيْنِ؛ جاء فِي "كَشْف المُشْكِلِ":"أمَّا النَّهْيُ عَن صَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ، فَإِنَّهُ إِذا تطوع فِيهِ بِالصَّوْمِ لم يبن الْمَفْرُوض من غَيره، وَلِهَذَا يسْتَحبّ أَنْ يَأْكُل قبل أَنْ يخرج إِلَى الصَّلَاةِ. وَأما عيد الْأَضْحَى فَأمر فِيهِ بالإفطار ليَأْكُل المُضَحِّي من أضحيته، ثمَّ النَّاس فِيهِ تبعٌ لوفد الله عَزَّ وَجَلَّ عِنْد بَيته، وهم كالضَّيْفِ وَلَا يحسن صَوْمه عِنْد مُضيفه". فَإِنْ نَذَرَ إِنْسَان صَوْم يَوْم الْعِيد، فعندنا أَنَّه ينْعَقد نَذره، وَلَكِن لَا يَصُوم، بل يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ وَيُكَفِّر كَفَّارَة يَمِين. وَعَن أَحْمد:"يُكَفِّر من غير قَضَاء". وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى:"قِيَاس الْمَذْهَب أَنَّه لَا يَصح صَوْمه لأجل النَّهْي". وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ:"يَصح نَذره وَيلْزمهُ الْقَضَاء بِلَا كَفَّارَة، فَإِن صَامَهُ أَجزَأَهُ". وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ:"لَا ينْعَقد نَذره وَلَا يلْزمه قَضَاء وَلَا كَفَّارَة"اهـ (3) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ".
(1) "المجموع شرح المهذب": (بَابُ الْأُضْحِيَّةِ) ج 8 ص 418.
(2) "الدر المختار وحاشية ابن عابدين": ج 6 ص 328.
(3) "كشف المشكل من حديث الصحيحين":"الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ" ج 1 ص 94.