فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 2668

معنى الحديث: يقول المغيرة بن شعبة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ"، أيْ إنَّ الكَذِبَ على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَرِيِمَةٌ عُظْمَى لا يساويه أَيُّ كذب على شخص آخر لما فيه من الافتراء على اللهِ وعلى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتغيير ما أنزل الله، والزِّيادة فِي شرع الله ما ليس منه، وقد قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ، ولا شك أنَّ من افْتَرَى على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد افْتَرَى على الله."مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا"أيْ قَاصِدًَا الكَذِبَ،"فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"أي فليتخذ له مَنْزِلًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ."وَسَمِعْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ"، أي من بكى عليه أهله عند موته بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ"يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ"، أَيْ فإنَّهُ يُعَذَّبُ بسبب بكائهم عليه.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّهُ تَحْرُمُ النِّيَاحَة (1) على الميت وهي رَفْعُ الصَّوْتِ فِي البكاء عليه مع ذكر محاسنه وفضائله بصوت مرتفع لما فيه من تعذيب الميت. قال فِي"الموسوعة الفقهية": ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النِّيَاحَةَ مُحَرَّمَةٌ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِالْكَرَاهَةِ، وَيَقْصِدُونَ بِهَا الْكَرَاهَةَ التَّحْرِيمِيَّةَ لأَنَّهُمْ عَدُّوهَا مِنَ الْمَعَاصِي .... قَال جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ جَاءَتْ فِي تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ مُطْلَقًَا، وَبَيَانِ عَظِيمِ قُبْحِهَا، وَالاِهْتِمَامِ بِإِنْكَارِهَا؛ لأَنَّهَا مُهَيِّجَةٌ لِلْحُزْنِ وَرَافِعَةٌ لِلصَّبْرِ، وَفِيهَا مُخَالَفَةٌ لِلتَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ وَالإِذْعَانِ لأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ، فَقَال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} . وَهَذَا يَتَنَاوَل كُل مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النِّيَاحَةِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ أَوْ بِتَعْدِيدِ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَى النَّائِحَةِ أَشَدَّ الإِنْكَارِ"اهـ (2) ."

ثانيًا: أنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّب بالنِّياحَة والبكاء عليه، بصوت مرتفع؛ وهذا إذا كانت النِّياحة من عَادَتِهِ وَسُنَّتِهِ، أو أوصى بذلك قبل وفاته كما فعل طرفة بن العبد حيث قال:

إذَا مِتُّ فَانْعِيْني بِمَا أنا أهْلُهُ ... وَشُقِّي عَليَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبدِ

أمَّا إذا لم يكن هذا ولا ذاك، فإنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّب ببكائهم نَفْسِيًَّا حيث يتألم ويحزن لحزنهم. كما روي عن صفية بنت مخرمة عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال:"أَيُغْلَبُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُصَاحِبَ صُوَيْحِبَهُ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، فَإِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَنْ هُوَ أَوْلى بِهِ اسْتَرْجَعَ؟! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ أَحَدَكُم لَيَبْكِي، فَيَسْتَعْبرُ إليه صُوَيْحِبَهُ، فَيَا عِبَادَ الله لا تُعَذِّبُوا إِخْوَانَكُم"أخرجه أحمد (3) . وقد اختار هذا المعنى جَمَاعَةٌ من الأَئِمَةِ منهم ابن جرير وابن تيميّة.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ".

(1) قال الحافظ:"النِّيَاحَة: النَّوْح أَصله التَّنَاوح وَهُوَ التَّقَابُل؛ ثمَّ اسْتعْمل فِي اجْتِمَاع النِّسَاء وتقابلهن فِي الْبكاء على الْمَيِّت".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت