فهرس الكتاب

الصفحة 1114 من 2668

الحديث: أخرجه أيضًا التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ.

معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ"، يعني أنَّ أيَّ إنْسْانٍ مات على الإِسلام وَأَثْنَى عليه أَرْبَعَةٌ من المسلمين بِما يعرفونه عنه من الأعمال الصَّالحة التي كان يفعلها فِي حياته وزَكُّوهُ بالصَّلاحِ الذي يعلمونه عنه دون مداراة أو مجاملة، فإنَّه يُرْجَى له الجَنَّة، لأنَّ عمله الصَّالح بشير سعادته إنْ شَاء الله. فالمراد بالشَّهَادَةِ له الثَّنَاءُ عليه بالخير الذي يعلمونه عنه، كما فسره به البُخَارِيّ، بِدَلِيلِ ما جاء فِي رواية أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قال:"مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ» ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ"أخرجه البُخَارِيّ. فإنَّ هذا الحديث يدل على أنَّ الشَّهَادَةَ للميت معناها الثناء عليه بالخير، وهي في معنى التزكية، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وليس المراد بقوله:"شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ"الشَّهَادَةُ له بِدُخُولِ الجَنَّةِ والنَّجَاةِ من النَّارِ، فَإِنَّ هذا غَيْبٌ لاَ يَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ لأحد، إلاّ لمن شهد لهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن القَطْعِ لأَحَدٍ بالجنَّة أو النَّار، بدليل ما جاء فِي الحديث الصَّحيح عن أم العلاء الأَنْصَاريّة لما تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما،"فَقُلْنَا: وَثَلاَثَةٌ، قَالَ: «وَثَلاَثَةٌ» فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: «وَاثْنَانِ» "، معناه وكذلك إذا شهد له ثلاثة، أو اثنان، فإنَّهُ تُرْجَى له الجَنَّةُ."ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ"أي فلا ندري هل يكفي أم لا؟.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: جَوَازُ الثَّنَاءِ على المَيِّتِ المُسْلِمِ بِمَا يُعْلَمُ عَنْهُ من الصَّلاحِ والخَيْرِ، وحُسْنِ السُّلُوكِ فِي حَيَاتِهِ، وأنَّ من أثْنَى عليه اثنان فَصَاعِدًَا بالاستقامة على الأعمال الصَّالِحَةِ فِي دنياه، فإنَّه يُرْجَى له الخير في الدار الآخرة، إنْ شاء الله، كما يُرْجَى له الفوز بالجَنَّةِ والنَّجَاةَ من النَّارِ، وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ". وليس المراد من الشهادة له أَنْ نشهد له بالجنَّة، فإنَّ هذا لا يَجُوزُ إلاّ لمن شَهِدَ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجَنَّةِ؛ كما تقدم لنا في شرح الحديث.

ثانيًا: أنَّ المُعْتَبَرَ فِي الثَّنَاءِ على الميت ثناء أهل الفضل والصِّدق، لما جاء في صحيح البُخَارِيّ في الشَّهَادات:"المُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ". قال القَسْطَلانِيّ:"فالمُرَادُ المُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ كَانَ على صِفَتِهِم فِي الإِيِمانِ، فالمُعْتَبَرُ شَهَادَةُ أَهْلِ الفَضْلِ والصِّدْقِ، لا الفَسَقَةِ، لأنَّهُم قَدْ يُثْنُونَ على مَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ"اهـ (2) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ"، فإنَّ المراد به أنَّ الثَّنَاء على الميت يبشر بالخير وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت