فهرس الكتاب
وضع الله له فيه البركة فينمو ويتكاثر، وإنْ كان قليلًا، ورُزِقَ صاحبه القناعة، فأصبح غنيَّ النَّفس، مرتاح القلب، وعاش به سعيدًا،"وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ"أي بإِلْحَاحٍ وَشَرَهٍ وبدون طيب نفس"لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيه"أي نزع الله منه البركة، وسلب صاحبه القناعة، فأصبح فقير النَّفس دائمًا ولو أعطي كنوز الأرض، وكان"كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ"، أي كالملهوف الذي لا يشبع من الطَّعام مهما يأكل منه.
"اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى"أي: اليد المُتَعَفِّفَةِ خير من اليد السَّائلة لأنّها قد تعالت وترفعت بنفسها عن ذل السؤال، على عكس الأخرى التي حطت من قدر نفسها وكرامتها بما عرضت له نفسها من المذلة."فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا"أي لا أسأل أَحَدًا شيئًا بَعْدَكَ."فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ"فلا يأخذ منه شيئًا،"ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ"قَالَ العَيْنِيُّ:"إِنَّمَا أَشْهَدَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، على حَكِيمٍ لِأَنَّهُ خَشِيَ سُوءَ التَّأْوِيلِ، فَأَرَادَ تَبْرِئَةِ سَاحَتِهِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا من بَيْتِ المَالِ بَعْدَ أَنْ يُعْطِيهِ الإِمَام إِيَّاه"اهـ (1) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: التَّرغيب فِي الاستعفاف عن السُّؤال والقناعة والرِّضا بالقليل، وأنَّ اليد العفيفة المُتَعَفِّفَةِ خير عند الله من اليد السَّائلة، لأنَّها يد عليا صانت نفسها عن ذُلِّ السُّؤال. وهو ما ترجم له البُخَارِيّ. قال النووي:"وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ. وَالثَّانِي: حَلَالٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِثَلَاثِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُؤْذِيَ المسئُول فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهِيَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ"اهـ (2) .
ثانيًا: أنَّ مَنْ أخَذَ المَالَ من طُرُقِهِ المَشْرُوعَةِ عن سَمَاحَةِ نَفْسٍ وقَنَعَ بِمَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنْهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهِ، وجَعَلَ لَهُ القَلِيلَ كثيرًا، والعكس بالعكس.
ثالثًا: أنَّ سُؤَالَ السُّلْطَانِ لا عَارَ فِيهِ؛ كما قال المهلب.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى"لأَنَّ المُرَادَ باليَدِ العُلْيَا اليَدْ المُتَعَفِّفَةِ.
(1) "عمدة القاري": (بابُ الاسْتِعْفَافِ عنِ المَسْألَةِ) ج 9 ص 53.
(2) "شرح النووي على مسلم": (باب النَّهْيِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ) ج 7 ص 127.