عَلِمَتَ أنَّ بَنِي هَاشِمٍ لا تَحِلُّ لَهُم الصَّدَقَةَ ولا الزَّكَاةَ تَكْرِيِمًَا وتَشْرِيفًَا لَهُمْ لأنَّهَا"إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ"كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: أنَّ زكاة التَّمْرِ تؤخذ عند جُذَاذِه وتمام إدراكه وجفافه، لأنَّ الصَّحابة كانوا يأتون بها عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.
ثانيًا: أنَّ الصَّدَقَةَ مُطْلَقًَا فَرِيِضَةً أو تَطَوُّعًا لا تَحِلُّ لآل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحديث الباب، وحديثُ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَلاَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ"أخرجه ابن حبان (3) . أمَّا آل النَّبِيّ الذين لا تحل لهم الصَّدَقَةُ فهم عند مالكٍ وأبِي حنيفةَ بَنُو هَاشِمٍ فقط، ويدخل فيهم آل عليٍّ وآل عقيلٍ وآل جعفرٍ وآل الْعَبَّاس، وقال الشَّافِعِيّ:"هم بَنُو هَاشِمٍ وبنو المُطَّلِب لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَنَا وَبَنُو المُطَّلِب لاَ نَفْتَرِقُ فِى جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ" (4) . قال فِي"المبسوط":"وَاعْتِمَادُنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالنُّصْرَةِ دُونَ الْقَرَابَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبَى قُرْبُ النُّصْرَةِ حِينَ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْلَ النَّسَبِ وَهُوَ عَبْدُ مَنَافٍ: كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ: هَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ وَنَوْفَلٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ. وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ هَاشِمٍ فَإِنَّهُ مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فَكَانَتْ بَنُو هَاشِمٍ أَوْلَادَ جَدِّهِ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ كَانَ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ، وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ"اهـ (5) ."
فائدة: (( قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَخْبَرَنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ أَحَدًا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا بَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا» . (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُعْطَى جَمِيعُ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى حَيْثُ كَانُوا لَا يَفْضُلُ مِنْهُمْ أَحَدٌ حَضَرَ الْقِتَالَ عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَحْضُرْهُ إلَّا بِسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ كَسَهْمِ الْعَامَّةِ، وَلَا فَقِيرٌ عَلَى غَنِيٍّ، وَيُعْطَى الرَّجُلُ سَهْمَيْنِ وَالْمَرْأَةُ سَهْمًا، وَيُعْطَى الصَّغِيرُ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرُ سَوَاءً، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ وَكُلُّهُمْ يَلْزَمُهُ اسْمُ الْقَرَابَةِ فَإِنْ قَالَ: قَائِلٌ قَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَهُمْ مِائَةَ وَسْقٍ وَبَعْضَهُمْ أَقَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكُلُّ مَنْ لَقِيت مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِنَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا وَصَفْت مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبِأَنَّهُ إنَّمَا قِيلَ: أَعْطَى فُلَانًا كَذَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا وَلَدٍ فَقِيلَ: أَعْطَاهُ كَذَا. وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ حَظَّهُ وَحَظَّ عِيَالِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا حَكَيْت مِمَّا قَالُوا عَنْهُمْ مَا وَصَفْت مِنْ اسْمِ الْقَرَابَةِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ مَنْ حَضَرَ خَيْبَرَ وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا وَأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنْ عِيَالِ مَنْ سَمَّى أَنَّهُ أَعْطَى بِعَيْنِهِ. وَأَنَّ حَدِيثَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فِيهِ إنَّهُ قَسَمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَالْقَسْمُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَفْضِيلٌ يُشْبِهُ قَسْمَ الْمَوَارِيثِ، وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ لَهُمْ خَاصَّةً) اهـ (6) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ".
(1) قال الإسماعيلي أراد بِقَوْلِهِ عند صِرَامِ النَّخْلِ:"أي بعد أن يصير تمرًا".