فهرس الكتاب
الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا الرَّاوِي:"سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ"الْأَسْوَدِ، وهو وضع اليد عليه عند بِدَايةِ الطَّوَافِ"فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ"وهذا يقتضي أنَّ اسْتِلامَهُ وتَقْبِيلَهُ سُنَّةٌ."قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟"أي أخْبِرْنِي إنْ زَاحَمَنِي النَّاس عليه، وحاولتُ الوُصُولَ إليه فعجزت عنه، هل أُعْذَرُ فِي تَرْكِ استلامه وتقبيله"قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِاليَمَنِ"أي عليك باتباع سُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَدَعْ الرأي هناك، وظاهره أنَّهُ لَا يَرَى فِي الزِّحَامِ عُذْرًَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أنَّ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ اسْتِلامُ الحَجَرِ وتَقْبِيلُهُ وأنَّ ابْنَ عُمَرَ لَا يَرَى فِي الزِّحَامِ عُذْرًَا، لكن الجمهور على أنَّه إذا عجز عن تَقْبِيلِهِ يكفيه أَنْ يضع يده عليه وَيُقَبِّلْهَا، قال فِي"عمدة القاري":"إِذا عجز عَن تَقْبِيل الْحجر استلمه بِيَدِهِ أَو بعصا، ثمَّ قَبَّلَ مَا اسْتَلم بِهِ، كَمَا مر فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي الطُّفَيْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَانْفَرَدَ مَالك عَن الْجُمْهُور، فَقَالَ: لَا يُقَبِّلْ يَدَهُ، وَإِذا عجز عَن الاستلام أَشَارَ بِيَدِهِ أَو بِمَا فِي يَده، وَلَا يُشِير إِلَى الْقُبْلَةِ بالْفَمِ، لِأَنَّهُ لم يُنْقَل؛ ويراعى ذَلِك فِي كل طوفة، فَإِنْ لم يفعل فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُهلب: واستلامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمحجن يَدُلُّ على أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّة"اهـ (1) . وقال فِي"مواهب الجليل":"وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا لَمَسَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ كَبَّرَ إذَا حَاذَاهُ ثُمَّ يَمْضِي، وَلَا يَقِفُ وَكُلَّمَا مَرَّ بِهِ إنْ شَاءَ اسْتَلَمَ أَوْ تَرَكَ، وَلَا يُقَبِّلُ الْيَمَانِيَ بِفِيهِ، وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ بِيَدِهِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لِزِحَامٍ كَبَّرَ، وَمَضَى"انْتَهَى (2) .
أمَّا إنْ عجز عن استلامه بيده - على قول الجمهور -، فإنَّه يستلمه بِشَيْءٍ فِي يده كالعَصَا فَإِنْ عجز أشار بيده (3) لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى للبخاري:"طَافَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ"، وإنْ لَمْ يُشِرْ إليه اسْتَقْبَلَهُ مُهَلِّلًا مُكَبِّرًَا"."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ".
(1) "عمدة القاري": (بابُ اسْتِلاَمِ الرُّكْنِ بالمِحْجَن) ج 9 ص 253.
(2) "مواهب الجليل":"تنبيه سَوْقِ الهَدْي"ج 3 ص 108.
(3) أيْ فإنَّهُ يُشِيرُ إِلى الحَجَرِ بِيَدِهِ.