فهرس الكتاب
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ مِنَ السُّنَّة أَنْ يُصَلِّيَ الإِمَامُ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ قَصْرًَا وجَمْعًَا فِي مَسْجِدِ نَمِرَةَ ويقع هذا المسجد ببطن وادي عُرَنَةَ، وَمِنَ السُّنَّةِ أَيْضًَا أَنْ يُخَفِّفَ الخُطْبَةَ والصَّلاةَ ويُسَارِعَ بالذَّهَابِ إلى المَوْقِفِ فَيَقِفَ هُنَاكَ فِي الهَاجِرَةِ كما فعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ما ترجم له البُخَارِيّ."فَالتَّهْجِيرُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، أمَّا الانتقال من عُرنَةَ إلى الموقف من عَرَفَةَ فهو أمر لا بد منه، ولا يتحقق الوقوف بدونه، لأنّ عُرَنَةَ ليست من عَرَفَةَ عند الجمهور، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ"؛ فمن اقتصر على الوقوف فيها لا يُجْزِئُهُ ذلك. وَعُرَنَةَ: بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَنُونٍ، وَفِي لُغَةٍ بِضَمَّتَيْنِ - مَوْضِعٌ بَيْنَ مِنًى وَعَرَفَاتٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ جِهَةَ عَرَفَةَ، وَالْعَلَمَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ جِهَةَ مِنًى. (وَالْمُزْدَلِفَةُ) الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُتَقَرَّبُ فِيهَا مِنْ زَلَفَ إِذَا تَقَرَّبَ، وَقِيلَ: لِمَجِيءِ النَّاسِ إِلَيْهَا فِي زَلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ: أَيْ سَاعَاتٍ، وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مِنَ الْحَرَمِ؛ كُلُّهَا مَوْقِفٌ"اهـ (1) . وقال فِي"مواهب الجليل":"وَاَلَّذِي حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ هُوَ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ الْمَغَارِبَةِ فِيمَنْ وَقَفَ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ ثُمَّ ذَكَرَ تَوَقُّفَ مَالِكٌ فِيمَنْ وَقَفَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي مَسْجِدِ عَرَفَةَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ انْتَهَى. فَتَحَصَّلَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ، وَلَا مِنْ الْحَرَمِ، وَلِلْخِلَافِ فِيهَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِهَا وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ لَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ بِهَا وَلَا يُجْزِئُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَمُقَابِلُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَقَفَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ حَجُّهُ تَامٌّ، وَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَ وَنَحْوُهُ فِي الْجَلَّابِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَيُكْرَهُ الْوُقُوفُ بِهِ، وَمَنْ وَقَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ قَالَ وَبَطْنُ عُرَنَةَ هُوَ الْمَسْجِدُ"اهـ (2) .
ثانيًا: أنَّ مَنْ دَخَلَ عَرَفَةَ قبل الصَّلاةِ فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنَّ السُّنَّةَ فِي ذلك اليوم أَنْ تُؤدّى الصَّلاةُ بِبَطْنِ عُرَنَةَ، ثُمَّ يُعَجِّلُ بَعْدَ ذلك بِالرَّوَاحِ إلى المَوْقِفِ فِي عَرَفَةَ، لقوله:"إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ". وفِي حديث جَابِرٍ الطَّوِيل:"حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، -إلى أنْ قَالَ: - ثُمَّ أَذَّنَ - بلال -، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، - وهي الأَحْجَارِ المَغْرُوسَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ- .... إلخ"ومعنى ذلك أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يَذْهَبْ إلى عَرَفَةَ إلاّ بعد الصَّلاةِ، إذن فهذا هو السُنَّة.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ".
(1) "شرح الزَّرْقانِي على الموطأ":"باب الوقوف بعرفة والمزدلفة"ج 6 ص 506.
(2) "مواهب الجليل شرح مختصر خليل":"فَرْعٌ: شَرِبَ مُسْكِرًا حَتَّى غَابَ عَقْلُهُ"ج 3 ص 97.