فهرس الكتاب
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ لَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ. وَالَّذِينَ قَالُوا: يَتَحَلَّلُ حَيْثُ أُحْصِرَ - اخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ، وَفِي مَوْضِعِ نَحْرِهِ إِذَا قِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَفِي إِعَادَةِ مَا حُصِرَ عَنْهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ:"لَا يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ حَيْثُ حَلَّ". وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى:"إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ"، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ. وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَبْحَهُ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:"حَيْثُمَا حَلَّ". وَأَمَّا الْإِعَادَةُ فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَلَّا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ"اهـ (1) . وَقَالَ فِي"الأصل المعروف بالمبسوط":"وَيبْعَثُ الْمُحْصَرُ بِالْحَجِّ بِثَمَنِ هَدْيٍ يُشْتَرَى لَهُ بِمَكَّة فَيُذْبَحُ عَنهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَحِلُّ؛ وَعَلِيهِ ُعمْرَةً وَحَجَّةً. فَإِذا بَعَثَ بِهِ فَإِنْ شَاءَ أَقَامَ مَكَانَهُ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ؛ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَصِّرَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: إِنْ قَصَّرَ فَحَسَنٌ"اهـ (2) ."
الثالث: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الهَدْيِ لقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فيَهْدِي"وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وقال: أَبُو حَنِيْفَةَ: لا هَدْي عليه، ولا يُعَدُّ مُحْصَرًا، لأَنَّ المُحْصَرَ عنده من مُنِعَ الوُصُولِ إلى مَكَّةَ، وحيل بينه وبين الطَّواف والسَّعي، وأَمَّا مَنْ بَلَغَها، فَحُكْمُهُ عِنْدَهُ كَحُكْمِ من فَاتَهُ الحَجَّ، يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ ويحج من قابل، ولا هَدْي عليه. قَالَ فِي "تبيين الحقائق":"قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمَنْ مُنِعَ بِمَكَّةَ عَنْ الرُّكْنَيْنِ فَهُوَ مُحْصَرٌ) يَعْنِي إِنْ مُنِعَ بِمَكَّةَ عَنْ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ صَارَ مُحْصَرًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْأَفْعَالِ فَكَانَ مُحْصَرًا كَمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْحِلِّ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُمَا بِأَنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ مُحْصَرًا. أَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الْوُقُوفِ فَلِأَنَّهُ أَمِنَ مِنْ الْفَوَاتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ فَلِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِهِ، وَالدَّمُ بَدَلٌ عَنْهُ فِي التَّحَلُّلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْهَدْيِ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الْمُحْصَرِ يُحْصَرُ فِي الْحَرَمِ قَالَ: لَا يَكُونُ مُحْصَرًا قُلْتُ: أَلَيْسَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ» ، وَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ فَقَالَ: إنَّ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ دَارَ الْحَرْبِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَهِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِحْصَارُ فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: إذَا غَلَبَ الْعَدُوُّ عَلَى مَكَّةَ حَتَّى حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ كَانَ مُحْصَرًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ التَّفْصِيلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" اهـ (3) .
ثانيًا: أنَّ مَنْ بَلَغَ مَكَّةَ وتَمَكَّنَ مِنَ البَيْتِ وَحُبِسَ عَنْ الوُقُوفِ يُعَدُّ مُحْصَرًَا خِلافًَا لأَبِي حَنِيْفَةَ.
والمطابقة: ظاهرة.
(1) "بداية المجتهد": [الْقَوْلُ فِي الْإِحْصَارِ فِي الحج] ج 2 ص 120.
(2) "الأصل المعروف بالمبسوط":"بَابُ الْمُحْصَرِ" ج 2 ص 462.
(3) "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق": (بَابٌ: إضَافَةُ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ) ج 2 ص 81.