فهرس الكتاب
مُؤَكَّدَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْغَبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ:"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"أَخْرَجَهُ مالك وابن خزيمة"اهـ (3) . وهِيَ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد فعلها أصحابه في حياته، وأثنى عليهم، وصوَّب فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ:"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أُنَاسٌ فِى رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ «مَا هَؤُلاَءِ؟» . فَقِيلَ هَؤُلاَءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّى وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (4) . وفيه دليل على أَنَّ الأَفْضَل لغير القارئ أَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ مَأْمُومًَا بخلاف القارئ، فَإِنَّ الأفضل فِي حَقِّهِ الانفراد. قَالَ مَالِكٌ فِي"الْمُدَوَّنَة":"قِيَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ فِي رَمَضَانَ أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ" (5) ، وقال الحافظ:"وَعَنْ مَالِكٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ الصَّلَاةُ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ؛ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَخَافُ مِنَ الْكَسَلِ وَلَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْبَيْتِ سَوَاءٌ فَمَنْ فَقَدَ بَعْضَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ"اهـ (6) .
واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ على أنَّ الجماعة فيها أفضل بأنَّ ذلك هو ما فعله عُمَرُ ووافقه عليه أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستمر عمل المُسْلِمِينَ عليه، فكان ذلك إجْمَاعًَا من الصَّحَابَةِ على أفضلية الجماعة فِي صَلاةِ التَّرَاوِيحِ، قال فِي"الْمُغْنِي":"قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُوتِرَ مَعَهُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ» . قَالَ: وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُومُ مَعَ النَّاسِ، وَيُوتِرُ مَعَهُمْ"اهـ (7) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
(1) "فتح الباري"لابن حجر: (وَله بَابُ فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَان) ج 4 ص 251.
(2) قال الحافظ فِي"الفتح":"قَوْلُهُ أَوْزَاعٌ بِسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا زَايٌ أَيْ جَمَاعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ؛ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ مُتَفَرِّقُونَ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ"اهـ. وقال فِي"الموسوعة الفقهية الكويتية":"وَلَوْ صَلاَّهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ الْوِتْرِ فَالأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تُجْزِئُ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّرَاوِيحِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْل أَوْ نِصْفِهِ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَتَهَا أَوَّل اللَّيْل أَفْضَل؛ لأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَوَّلَهُ"اهـ.
(4) قال فِي"جامع الأصول": (رقم(1377) فِي الصلاة، باب فِي قيام شهر رمضان، وفي إسناده مُسْلِم بن خالد المخزومي، وهو ضعيف كما قال أَبُو دَاوُد، قال الحافظ فِي"الفتح"4/ 218 والمحفوظ أنَّ عمر هو الذي جمع النَّاس على أُبَي بن كعبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) اهـ. ج 6 ص 120.
(5) "التاج والإكليل لمختصر خليل":"بابٌ فِي صَلاة التَطَوُّع"ج 2 ص 376.