"حافظ". وَقَال أَبُو دَاوُد: قال إِسْحَاق الأزرق:"ما أدركت أفضل من خالد الطحان، قيل: قد رأيت سفيان؟ قال: كان سفيان رجل نفسه، وكان خالد رجل عامة". ومات بواسط فِي رجب سنة تسع وسبعين وَمِائَة.
الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ بألفاظ.
معنى الحديث: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"احْتَجَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ عَالَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ بالحِجَامَةِ وأمر أبا ظبية أَنْ يحجمه،"وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ"أيْ وأعطاه أجرته، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعِ تَمْرٍ. وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا من خَرَاجِهِ، وكان يعمل، ويَدْفَعُ لسَيِّدِهِ ثَلاثَةَ آصعٍ، فوضع عنه صَاعًَا. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما تعليقًا على حديثه هذا:"وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ"أيْ وَلَوْ كَانَ أَجْرُ الحِجَامَةِ وثَمَنُهَا حَرَامًَا لَمْ يُعْطِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَجَّام أُجْرَةً عليها.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: جَوَازُ أُجْرَةِ الحَجَّامِ، وهو مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. قال الحافظ فِي"الفتح":"وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ حَلَالٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا هُوَ كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فَحَمَلُوا الزَّجْرَ عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ أُبِيحَ وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ الِاحْتِرَافَ بِالْحِجَامَةِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا وَيَجُوزُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ مِنْهَا وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ مُحَيِّصَةَ:"أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ: اعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ"أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَذَكَرَ بن الْجَوْزِيِّ أَنَّ أَجْرَ الْحَجَّامِ إِنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ إِعَانَةً لَهُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ لَهُ فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا"اهـ (1) .
ثانيًا: جَوَازُ التَّدَاوِيّ بإخْرَاجِ الدَّمِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ".
(1) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ ضَرِيبَةِ الْعَبْدِ) ج 4 ص 459.