الْإِعْطَاءِ بِالْعَهْدِ فَقَوْلُهُ بِي حَالٌ أَيْ: مَوْثِقًا بِي لِأَنَّ الْعَهْدَ مِمَّا يُوثَقُ بِهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ" (2) ."وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ"أيْ بَاعَ حُرًَّا عَالِمًَا بِحُرِّيَتِهِ، عَامِدًَا مُتَعَمِّدًَا، ثُمَّ أَخَذَ ثَمَنَهُ، وأدخله على نفسه؛ وقَوْله: (فَأَكَلَ ثَمَنَه) ، خَصَّ الْأَكْلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَقْصُودٍ (3) ."وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا"أيْ عَامِلًا"فَاسْتَوْفَى مِنْهُ"عمله"وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ!"أيْ وأَكَلَ عليه أجرة عمله."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: تَحْرِيمُ بَيْعِ الحُرِّ وَكَوْنُهُ مِنَ الكَبَائِرِ، لأنَّ هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على كبيرة.
ثانيًا: أَنَّ مِنَ الكَبَائِرِ الجرأة على الأيْمَانِ الباطلة، ونقض العهود، وأكل أجرة الأجير، لأنَّهُ اسْتَخْدَمَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وأَكَلَ حَقَّهُ بالباطل، وهو من أقبح المظالم وأشدَّها.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:"وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا".
(1) وَالْخَصْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الِاثْنَيْنِ وَعَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ الْوَاحِدُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْأَوَّلُ قَوْلُ الْفُصَحَاءِ وَيَجُوزُ فِي الِاثْنَيْنِ خَصْمَانِ وَالثَّلَاثَةِ خُصُومٌ.
(2) "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح": باب الإجارة ج 5 ص 1991.
(3) قال الحافظ فِي"الفتح": (وَالْحُرُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ مِثْلُ الْمَوْقُوفِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا:"ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ؛ فَذَكَرَ فِيهِمْ وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا"؛ وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ فِي الْفِعْلِ وَأَخَصُّ مِنْهُ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ:"اعْتِبَادُ الْحُرِّ يَقَعُ بِأَمْرَيْنِ: أَنْ يَعْتِقَهُ ثُمَّ يَكْتُمَ ذَلِكَ أَوْ يَجْحَدَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا بَعْدَ الْعِتْقِ. وَالْأَوَّلُ أَشَدُّهُمَا"اهـ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ الْبَابِ أَشَدُّ لِأَنَّ فِيهِ مَعَ كَتْمِ الْعِتْقِ أَوْ جَحْدِهِ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنَ الْبَيْعِ وَأَكْلِ الثَّمَنِ؛ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ أَشَدَّ. قَالَ الْمُهَلَّبُ:"وَإِنَّمَا كَانَ إِثْمُهُ شَدِيدًا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَكْفَاءُ فِي الْحُرِّيَّةِ فَمَنْ بَاعَ حُرًّا فَقَدْ مَنَعَهُ التَّصَرُّفَ فِيمَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ؛ وَأَلْزَمَهُ الذُّلَّ الَّذِي أَنْقَذَهُ الله مِنْهُ". وَقَالَ بن الْجَوْزِيِّ:"الْحُرُّ عَبْدُ اللَّهِ فَمَنْ جَنَى عَلَيْهِ فخصمه سَيّده") اهـ. (باب تحريم التجارة فِي الخمر) ج 4 ص 417.