له ذلك فقط خلافًا للظاهرية. ومن ثَمَّ اختلفوا: هل يعتبر في الحَوَالَةِ رضا الشَّخص المحال أو لا يعتبر؟ قال فِي"بداية المجتهد":"فَمِنَ الشُّرُوطِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي اعْتِبَارِ رِضَا الْمُحَالِ، وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ رِضَا الْمُحَالِ وَلَمْ يَعْتَبِر الْمُحَالَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَالِكٌ. وَمِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ رِضَاهُمَا مَعًا، ومِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الْمُحَالِ، وَاعْتَبَرَ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَقِيضُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ. فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا مُعَامَلَةٌ اعْتَبَرَ رِضَا الصِّنْفَيْنِ، وَمَنْ أَنْزَلَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَالِ مَنْزِلَتَهُ مِنَ الْمُحِيلِ لَمْ يَعْتَبِرْ رِضَاهُ مَعَهُ كَمَا لَا يَعْتَبِرُهُ مَعَ الْمُحِيلِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ حَقَّهُ وَلَمْ يُحِلْ عَلَيْهِ أَحَدًا"اهـ (3) .
ثالثًا: أَنَّ المُحَالَ إذا لَمْ يتمكن من أخذ حقه من المحال عليه لسبب ما كالفلس مثلًا، فإنه لا يرجع على المُحيل، وهو مَذْهَب أكثر أهل العلم، لأنَّ قَوْلَهُ"فَلْيَتْبَعْ"معناه قبول الحوالة ندبًا، أو وجوبًا، والحوالة عقد لازم يجب الالتزام به مَهْمَا تغيرت الظروف والأحوال فليس من حَقِّ المُحَالَ أَنْ يرجع على المحيل بِحَالٍ من الأحْوَالِ. قال ابن رشد:"جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ ضِدُّ الْحَمَالَةِ فِي أَنَّهُ إِذَا أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحِيلِ بِشَيْءٍ. قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ غَرَّهُ فَأَحَالَهُ عَلَى عَدِيمٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْجِعُ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحِيلِ إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، أَوْ جَحَدَ الْحَوَالَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَجَمَاعَةٌ"اهـ (4) . وهو ما ترجم له البُخَارِيّ بِقَوْلِهِ:"وَهَلْ يَرْجِعُ فِي الحَوَالَةِ؟".
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ دَلِيلًا عليها.
(1) قال فِي"شرح النووي على مسلم":"وَفِيهِ دَلَالَةٌ لمذهب مالك والشافعى والجمهور أنَّ المُعْسِرَ لا يحل حَبْسُهُ وَلَا مُلَازَمَتُهُ وَلَا مُطَالَبَتُهُ حَتَّى يُوسِرَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ فِي أَنَّ الْمُمَاطِلَ هَلْ يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَصِيرَ عَادَةً؟ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اشْتِرَاطُ التَّكْرَارِ"اهـ.
(2) قال الحافظ:"الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَأَخَّرَهُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا. وَهَلْ يَتَّصِفُ بِالْمَطْلِ مَنْ لَيْسَ الْقَدْرُ الَّذِي اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ حَاضِرًا عِنْدَهُ لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالتَّكَسُّبِ مَثَلًا؟ أَطْلَقَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمَ الْوُجُوبِ؛ وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا. وَفَصَّلَ آخَرُونَ: بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الدَّيْنِ وَجَبَ بِسَبَبٍ يُعْصَى بِهِ فَيَجِبُ؛ وَإِلَّا فَلَا"اهـ ج 4 ص 465.
(3) "بداية المجتهد ونهاية المقتصد":"كتاب الحوالة"ج 4 ص 83.
(4) قال ابن قدامة فِي"الْمُغْنِي":"فَمَتَى رَضِيَ بِهَا الْمُحْتَالُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْيَسَارَ، لَمْ يَعُدْ الْحَقُّ إلَى الْمُحِيلِ أَبَدًا، سَوَاءٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ، أَوْ تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أَوْ فَلَسٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُحْتَالُ بِذَلِكَ، فَلَهُ الرُّجُوعُ، إلَّا أَنْ يَرْضَى بَعْدَ الْعِلْمِ. وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْفَلَسَ عَيْبٌ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً، وَلِأَنَّ الْمُحِيلَ غَرَّهُ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْمَبِيعَ"اهـ. ج 4 ص 393.