فهرس الكتاب

الصفحة 1517 من 2668

ثانيًا: جوازُ الحَوَالَةِ فِي دَيْنِ المَيِّتِ، وأنَّ الوَارِثَ إذا أَحَالَ دَيْنَ المَيِّتِ على غَنِيٍّ، وقَبِلَ هذه الإِحَالَةِ، صَحَّتْ الحَوَالَةُ شرعًا، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ واستدل عليه بحديث الباب، قال ابن قدامة:" (وَلَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَا يَبْرَأُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ، كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِنَفْسِ الْحَوَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ، مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ سَوَاءٌ، وَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ الْحَقَّ عَنْ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمُحِيلِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَدَاوُد"اهـ (4) .

ثالثًا: جَوَازُ ضَمَانِ دَيْنِ المَيِّتِ الذي لَمْ يترك شَيْئًَا وكفالته، ولا رجوع للكفيل عندئذٍ في مال الميت إنْ ظهر للميت مال، وهو مَذْهَب الشَّافِعِيّ والصَّاحِبَيْنِ محمد وأبي يوسف. وقال مالك:"إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ؛ إذْ قَالَ إنَّمَا أَدَّيْتُ لَأَنْ أَرْجِعَ فِي مَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى مِنْ الدَّاءِ"اهـ (5) . وقال ابن قدامة:"وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْمَيِّتِ، إلَّا أَنْ يَخْلُفَ وَفَاءً، فَإِنْ خَلَفَ بَعْضَ الْوَفَاءِ، صَحَّ ضَمَانُهُ بِقَدْرِ مَا خَلَفَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ سَاقِطٌ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ بِالْأَبْرَاءِ، وَلِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ خَرِبَتْ خَرَابًا لَا تَعْمُرُ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا دَيْنٌ، وَالضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْتِزَامِهِ؛ وَلَنَا، حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَعَلِيٍّ، فَإِنَّهُمَا ضَمِنَا دَيْنَ مَيِّتٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَّهُمْ عَلَى ضَمَانِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، بِقَوْلِهِ: «أَلَا قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ؟» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ خَلَفَ وَفَاءً، وَدَلِيلُ ثُبُوتِهِ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، جَازَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ اقْتِضَاؤُهُ، وَلَوْ ضَمِنَهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ، وَلَوْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّة الضَّامِنِ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ"اهـ (6) .

والمطابقة: تُفْهَمُ مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَن ابْن بطال حيث قَالَ:"إِنَّمَا ترْجم بالحوالة، فَقَالَ: إِنْ أَحَالَ دَيْن الْمَيِّتِ، ثُمَّ أَدْخَلَ حَدِيثَ سَلمَةَ، وَهُوَ فِي الضَّمَانِ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَالضَّمَانَ مُتَقَارِبَانِ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو ثَوْر لِأَنَّهُمَا ينتظمان فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا نَقَلَ ذِمَّةً إِلَى ذِمَّةِ آخر، فِي هَذَا الحَدِيث نقل مَا فِي ذمَّة الْمَيِّت إِلَى ذمَّة الضَّامِنِ، فَصَارَ كَالحَوَالَةِ".

(1) "سبل السلام ط البابِي":"باب الحوالة والضمان"ج 3 ص 62.

(2) "عمدة القاري": (بَابٌ إِذا أَحَالَ دَيْنَ المَيِّتِ على رَجُلٍ جَازَ) ج 12 ص 113.

(3) المصدر السابق.

(4) "الْمُغْنِي"لابن قدامة:"مَسْأَلَة لَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ": ج 4 ص 408.

(5) "المدونة":"فِي رَجُلٍ قضى دَيْنًا على رَجُلٍ"ج 4 ص 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت