الوديعة حتى يعيدها إلى صاحبها سالمةً كاملةً"أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ"أي يسّر الله له قضاء الدَّيْنِ فِي الدُّنْيَا وهيأ له من أسباب الرِّزْقِ ما يقضي به ذلك الدَّيْنِ، وإنْ مات ولَمْ يَتَيَسَّرْ له قضاء ذلك الدَّيْنِ مع حُسْنِ نِيَّةٍ، وصدق عزيمة وشدة رغبة فِي قضائه ومات والدَّيْنُ بَاقٍ عليه، فَإِنَّ اللهُ يؤدي عنه ذلك الدَّيْنِ فِي الآخرة بإرْضَاءِ غَرِيمِهِ عنه بِمَا شَاءَ أَنْ يرضيه به، كما جاء في الحديث عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال:"مَا مِنْ مُسْلِم يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ، إِلا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا"أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَة (1) ثم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ"أي ومن أخذ شيئًا من أموال النَّاس دَيْنًا أو وديعةً يريد تضييع ذلك المال على صاحبه، ولا يَنْوِي إعادته إليه أو حفظه له، وإِنَّمَا يَنْوِي أَنْ يُضَيِّعَهُ على شَهَوَاتِهِ ومَصَالِحِهِ الشَّخْصِيَّةِ، فإنَّ اللهَ سَيُجَازِيَهُ من جِنْسِ نِيِّتَهِ وعمله، فيصيبه بالتَّلَفِ والهَلاكِ والشَّقَاءِ فِي نفسه وصحته وماله وولده وكل ما يحبه ويهواه.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ تُيَسِّرَ قضاء الدُّيونِ، وتُسَهِّل أداءها، على عكس النِّيَّة السَّيِّئَةِ، وكذلك الحال بالنِّسْبَةِ إلى من كانت لديه عُهَدٌ مالية، فإنَّهُ إذا حَسُنَتْ نيته، وتَعَرَّضَ لِظُرُوفٍ خارجةٍ عن إرادته، أَعَانَهُ اللهُ تَعَالَى، وأدّى عنه ما عليه في الدُّنْيَا والآخرة لعموم الحديث.
ثانيًا: قال ابن بطال:"فِيهِ الحَضُّ على ترك استئكال أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ التَّأْدِيَةِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ؛ وَأَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ"اهـ (2) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ التَّرْجَمَةِ جُزْءًَا من الحديث.
(1) قال فِي"سنن ابْن مَاجَة ت الأرناؤوط":"صحيح بشواهده دون قوله:"فِي الدُّنْيَا"، وهذا إسناد ضعيف لجهالة زياد بن عمرو بن هند وجهالة عمران بن حذيفة. منصور: هو ابن المُعْتَمِر. وقال الأَلْبَانِيّ: صحيح دون قوله:"فِي الدُّنْيَا"."
(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا) ج 5 ص 54.