وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (6) وَالنَّسَبُ يُورَثُ بِهِ، وَلَا يُورَثُ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ"اهـ (7) ."
رابعًا: مَشْرُوعِيَّةِ المُكَاتَبَةِ: وهل هي واجبة أو مستحبة؟ قال ابن رشد رحمه الله:"اخْتِلَافُهُمْ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ: إِنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} ؛ وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ لَا يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى عِتْقِ مَمْلُوكِهِ حَمَلُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى النَّدْبِ لِئَلَّا تَكُونُ مُعَارِضَةً لِهَذَا الْأَصْلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحْكُمَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْبَيْعِ لَهُ (وَهُوَ خُرُوجُ رَقَبَتِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ) ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يُحْكَمَ لَهُ عَلَيْهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ هُوَ مَالِكُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ هُوَ لِلسَّيِّدِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَرْكَانِهِ. وَهَذَا الْعَقْدُ بِالْجُمْلَةِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ. وَهَذَا الْعَقْدُ بِالْجُمْلَةِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ. فَأَرْكَانُ هَذَا الْعَقْدِ الثَّمَنُ وَالْمَثْمُونُ، وَالْأَجَلُ، وَالْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ"اهـ (8) . وَقَالَ مَالِكٌ:"الأَمْرُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الأَئِمَّةِ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ، وَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} يَتْلُو هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ} . قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ أَذِنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ"اهـ (9) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ".
(1) "شرح الزرقاني على الموطأ":"باب القضاء فِي المكاتب"ج 4 ص 171.
(2) "الْمُغْنِي"لابن قدامة:"كتاب المكاتب"ج 10 ص 364.
(3) قوله:"وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا"أي ولم تكن سَدَّدَتْ شَيْئًا من قيمتها.
(4) "فتح الباري":"باب فِي المكاتب"ج 5 ص 184.
(5) "شرح الزَّرقاني":"بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْمُكَاتَبِ"ج 4 ص 171 - 172. والحديث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ وَأَحْمَد والبَيْهَقِيّ وابن حِبَّان (وهو صحيح) .
(6) قَالَ البَيْهَقِيّ رَحِمَهُ اللهُ:"وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ"اهـ؛ وقال في"السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي":"عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الْوَلَاءُ"