الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا دون أنْ تُخْبِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو تَسْتَأْذِنِه في عتقها، فلما كان يوم نَوْبَتِها"قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟» "أي قالت له: أَعَلِمْتَ أنِّي أعتقت جاريتي، فقال لها: هل أعتقتيها؟ ولم ينكر عليها أنَّها أعتقت بدون إذنه إلّا أنَّه"قَالَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ!"ومعناه: حسنًا ما فعلت، إلاّ أنَّك لو وهبتها لأخوالك من بني هلال لكان ذلك أفضل وأكثر ثوابًا لما فيه من صِلَةِ الرَّحِمْ. وهذه الجملة الأخيرة هي موضع التَّرْجَمَة.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ يَجُوزُ للمرأة إذا كانت رَشِيدَةً أَنْ تَتَصَرَّفْ فِي مَالِهَا بِالهِبَةِ لغير زوجها، وبالعِتْقِ ولو بدون إذنه، لأَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَصَرَّفَتْ فِي وَلِيدَتِهَا - فأعتقتها بدون إذْنِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لها:"لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ"، فَدَلَّ ذلك على أنَّها لو وهبت جاريتها لغيره لكانت هِبَتَهَا جائزةٌ صحيحةٌ، ولو بغير إذنه، وهو مَذْهَب الجمهور. وقال مالك:"لا يَجُوزُ لَهَا أنْ تَتَصَرَّفَ بدون إذنه إلاّ في ثلث مالها"؛ قال فِي"القوانين الفقهية":"وَأما الْمَرْأَة فَإِنَّمَا يحْجر عَلَيْهَا إِذا كَانَت ذَات زوج أَن تتصرف بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ وَالْعِتْق فِيمَا زَادَ على ثُلثِ مَالِهَا خِلافًا لَهما وَإِذا تصرفت فِي أَكثر من الثُّلُث فَقيل تبطل الزِّيَادَة على الثُّلُثِ خَاصَّةً؛ وَقيل يبطل الْجَمِيع"اهـ (1) . أمَّا هِبَةُ الرَّجُلِ لزَوْجَتِه أو الزَّوْجَةِ لزَوْجِهَا فإنَّهَا صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فيها عند الجمهور. وَعَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّه كتب إِلَى قُضَاته:"أَنَّ النِّسَاء يُعْطين رَغْبَةً وَرَهْبَةً فأيما امْرَأَةٍ أَعْطَتْ ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ فَذَلِك لَهَا" (2) .
ثانيًا: أنَّ الأَعْمَالَ تَتَفَاضَل فِي الثَّوَابِ بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّبُ عليها من المنفعة، ولهذا قال لِمَيْمُونَةَ:"لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك"، فَفَضَّلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِبَةِ هذه الأَمَة على العِتْقِ الذي فيه تحرير النَّفْسِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ على الهِبَةِ من انْتِفَاعِ أقَارِبِهَا"الفقراء"بِهَا، ولِمَا فيه من صَدَقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ.
والمطابقة: فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ مَيْمُونَةَ على عِتْقِ جَارِيَتِهَا بدون إذنه، وقال لها:"لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ". وهذا يَدُلُّ على جَوَازِ عِتْقِ المرأة جاريتها أو هِبَة شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا لغيره بدون إِذْنِه، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.