وأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَة أَدْنَى أَهْل الجَنَّة مَنْزِلَة:"وَإِنَّ لَهُ مِنْ الْحُور الْعِين لَاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً؛ سِوَى أَزْوَاجه مِنْ الدُّنْيَا"؛ فقد قال ابن القيم رحمه الله:"كيف يكون لأدناهم اثنتان وسبعون مِنْ الْحُور الْعِين سوى أزواجه من الدُّنْيَا؛ وأقل ساكني الجَنَّة نِسَاءَ الدُّنْيَا؟! فكيف يكون لأدنى أهل الجَنَّة جماعة منهن؟!"اهـ (2) . ونقل الحافظ فِي"الفتح"قَولَ ابن الْقَيِّمِ:"لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيْحَةِ زِيَادَةٌ عَلَى زَوْجَتَيْنِ سِوَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِ لَخَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ لَهُ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ صَحَّحَهُ الضِّيَاءُ"اهـ. وقال الشيخ الأَلْبَانِيّ: (واعلمْ أَنَّ الأحاديث التي وردت فِي تحديد عدد ما للرَّجُلِ من النِّسَاءِ فِي الْجَنَّةِ مُختلفة جدًّا، والثَّابِتُ منها حديث أبِي هُرَيْرَةُ فِي"الصَّحِيْحَيْنِ"بلفظ:"أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلِ الجَنَّةَ ..."... وفيه:"وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ"(3) .
أمَّا صِفَةُ هؤلاء النَّسَاءِ فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وصفهنَّ:"كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا"أي من الزَّوْجَتَيْنِ المذكورتين"يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ"فَهِيَ لصَفَاءِ جَسَدِهَا وَرِقَّةِ بَشْرَتَهَا جسم شفاف يكشف عما بداخله، فيرى النَّاظِرُ إليها مخ ساقها من وراء لحمها، كما يرى الماء الصَّافِي داخل الكأس الزُّجَاجِي.
"يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا"أيْ فِي أَوَّل النَّهارِ وآخِرِهِ، والمراد أنَّهُم يُسبحون في وقتهما، وإلّا فلا بكرة ثَمَّةَ ولا عَشِيَّة. أمّا هذا التَّسْبِيحُ فإنَّه ليس عن تكليفٍ، وإِنَّمَا يُلْهَمُونَ به كما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ."لَا َيَسْقَمُونَ"أي لا يَمْرَضُونَ فيها"لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ"لأَنَّ الله طَهَّرَ أهل الجَنَّةِ من هذه الأقذار.
"آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ"أي أوانيهم من الذَّهَبِ، و"أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ"أي من الذَّهَبِ الخَالِص وَالفِضَّةِ."وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ"بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام وتشديد الواو كما أفاده القَسْطَلانِيّ: يعني أنَّ بُخُورَهُم الذي تتقد به مَجَامِرُهُمْ هو العود الهندي الذي هو من أطيب الطيب وأزكى البخور؛ (مَجَامِرُهُمُ) جَمْعُ مَجْمَرَةٍ وهي المَبْخَرَةُ سُمِّيَتْ بذلك لأنَّهَا يوضع فيها الجَمْرُ ليفوح به ما يوضع فيها من البُخُورِ؛"وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أَوَّلًا: وجود الجَنَّة التي خلقها الله تعالى لتكون دار النعيم لأوليائه.
ثَانِيًَا: جَمَالُ أهْلِ الجَنَّةِ، وحسن وجوههم، حيث وصفهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:"أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةِ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"ثم وصفهم بالطهارة والنَّقاء من جميع العيوب والنَّقائصِ الجِسْمِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ. قال الحافظ:"من مُخْتَصَرٍ مِمَّا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ:"تَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ". قَالَ بن الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَتْ أَغْذِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ وَالِاعْتِدَالِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَذًى وَلَا فَضْلَةً"