عُرْوَة من يُونُس بن بكير". قَالَ: وَسمعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ يَقُول:"جريرٌ صَدُوقٌ من أهل الْعلم"؛ قَالَ أَبُو بكر: سَمِعت بن معِين يَقُول:"وَمثلُ جريرٌ يتَّهمُ فِي الحَدِيثِ؟!". وَمَات سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِالرَّيِّ."
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ النَّاسَ فِي أنْسَابِهِمْ وأُصُولِهِمْ بالمعادن المختلفة المُتَفَاوِتَةِ فِي قيمتها وجَوْهَرِهَا. قال الحافظ:"وَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْمَعْدِنَ لَمَّا كَانَ إِذَا اسْتُخْرِجَ ظَهَرَ مَا اخْتَفَى مِنْهُ وَلَا تَتَغَيَّرُ صِفَتُهُ فَكَذَلِكَ صِفَةُ الشَّرَفِ لَا تَتَغَيَّرُ فِي ذَاتِهَا بَلْ مَنْ كَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ رَأْسٌ فَإِنْ أَسْلَمَ اسْتَمَرَّ شَرَفُهُ وَكَانَ أَشْرَفَ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمَشْرُوفِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذَا فَقِهُوا فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّرَفَ الْإِسْلَامِيَّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَعَلَى هَذَا فَتَنْقَسِمُ النَّاسُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ مَعَ مَا يُقَابِلُهَا: الْأَوَّلُ شَرِيفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَسْلَمَ وَتَفَقَّهَ وَيُقَابِلُهُ مَشْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ الثَّانِي شَرِيفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ وَيُقَابِلُهُ مَشْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يُسْلِمْ وَتَفَقَّهَ الثَّالِثُ شَرِيفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ وَيُقَابِلُهُ مَشْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَسْلَمَ ثُمَّ تَفَقَّهَ. الرَّابِعُ شَرِيفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يُسْلِمْ وَتَفَقَّهَ وَيُقَابِلُهُ مَشْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فَأَرْفَعُ الْأَقْسَامِ مَنْ شَرُفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَتَفَقَّهَ وَيَلِيهِ مَنْ كَانَ مَشْرُوفًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَتَفَقَّهَ وَيَلِيهِ مَنْ كَانَ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ وَيَلِيهِ مَنْ كَانَ مَشْرُوفًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ"اهـ (1) . ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً"ومعناه أن أصلح النَّاس وأكفأهم لولاية الأمور من إمارة أو قضاء أو حسبة، أو غيرها أزهدهم فيها، وأشدهم كراهية لها، لأن شدة كراهيته للولاية تدل على شدة ورعه، وقوة شعوره بالمسؤولية."وتَجِدُونَ شَرَّ النَّاس ذَا الْوَجْهِيْنِ"أي أبغضهم إلى الله تعالى وأكثرهم ضررًا للمُسْلِمين، وخطرًا عليهم"المُنَافِق الذي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، ويَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ"سواء كان منافقًا فِي العقيدة يظهر الإسْلامَ ويُبْطِن الكفر، أو منافقًا فِي سلوكه وأعماله يظهر المودة ويبطن الحِقَدَ والعَدَاوَةَ، كما قال تَعَالَى فِي وصف هؤلاء المنافقين: (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: فضل النَّسَبِ إذا اقترن بالدِّينِ والصَّلاحِ والعِلْمِ فِي دِينِ اللهِ والفِقْهِ فِي شَرِيعَتِهِ، وهذا هو أعلى المقامات وأسْمَاهَا بعد مَقَامِ النُّبُّوَة والصُّحْبَةِ، فإنَّ النَّاس فِي نظر الإِسلام تختلف مراتبهم ومقاماتهم (2) على حسب التَّرتيب الآتي.