قِيلَ لَمْ يُورِدْ هَذَا الْقَوْلَ مَوْرِدَ التَّرْدِيدِ؛ فَإِنَّ أُمَّتَهُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ وُجِدَ فِي غَيْرِهِمْ فَإِمْكَانُ وُجُودِهِ فِيهِمْ أَوْلَى؛ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ التَّأْكِيدِ. كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ:"إِنْ يَكُنْ لِي صَدِيقٌ فَإِنَّهُ فُلَانٌ"يُرِيدُ اخْتِصَاصَهُ بِكَمَالِ الصَّدَاقَةِ لَا نَفْيَ الْأَصْدِقَاءِ) (2) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: فَضْلُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكَوْنُهُ مِنْ أَوَّلِ المُلْهَمِينَ فِي هذه الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث الباب:"فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ"لأَنَّ اللهَ أَلْهَمَ قَلْبَه الصَّوَابَ، وأَجْرَاهُ على لسانه، كما فِي حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ"أَخْرَجَهُ أحمد والبزار (3) ، ويؤيده ما جَاءَ فِي الحديث عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» "أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4) ."
ثانيًا: أَنَّ الإِلْهَامَ مَوْجُودٌ فِي البَشَرِ عَامَّةً، وفِي هذه الأُمَّةِ خَاصَّةً، قال الحافظُ:"وَقَوْلُهُ:"وَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي"قِيلَ لَمْ يُورِدْ هَذَا الْقَوْلَ مَوْرِدَ التَّرْدِيدِ؛ فَإِنَّ أُمَّتَهُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ وُجِدَ فِي غَيْرِهِمْ فَإِمْكَانُ وُجُودِهِ فِيهِمْ أَوْلَى؛ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ التَّأْكِيدِ"اهـ (5) .
ولا يَخْتَصُّ الإِلْهَامُ بِالأَنْبِيَاءِ بَلْ يكون لغيرهم، ولكن هناك فَرْقٌ بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ وغَيْرِهِم لأَنَّ إِلْهَامَ الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ وتَشْريعٌ إلَهِيٌ، وحُجَّةٌ يستند إليها فِي الأَحْكَامِ بِخِلافِ إِلْهَامَ غيرهم.
والمطابقة: فِي قَوْلِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ".
(1) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ في الأَوْسَطِ وقال:"لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلَّا الْحَسَنُ، وَلَا رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ إِلَّا أَبُو سَعْدٍ خَادِمُهُ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعْدٍ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، تَفَرَّدَ بِهِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ"اهـ. وقال في"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ أَبُو سَعْدٍ خَادِمُ الْحَسَنِ البَصْرِيّ، وَلَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ".
(2) "فتح الباري"لابن حجر: ج 7.
(3) قال في منبع الزوائد:"رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُ الْبَزَّارِ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرُ الْجَهْمِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، وَهُوَ ثِقَةٌ".
(4) قال التِّرْمِذِيّ:"هذا حديث حسن غريب". ورواه أيضًا أحمد فِي"مسنده"والحاكم فِي"مستدركه"والطَّبَرَانِيّ؛ وقد حسَّنه الأَلْبَانِيّ.
(5) "فتح الباري"لابن حجر: ج 7 ص 50.