معنى الحديث: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مِن أهْلِ مِصْرَ المُتَعَصِّبِينَ ضد عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو - يَزِيدُ بْنُ بِشْرٍ - جاء حَاجًَّا، والْتَقَى بعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما،"فقال: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟"أي فَرَّ من القتال فِي غزوة أُحُدٍ، والفِرَارُ كَبِيرَةٌ من الكَبَائِرِ"قَالَ: نَعَمْ"فَعَلَ ذَلِكَ."قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟"أي وَلَمْ يَحْضُرْهَا فَفَاتَتْهُ تِلَكَ الغَزْوَةِ الكُبْرَى"قَالَ: نَعَمْ"حَدَثَ ذلك."قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ"وقع ذلك منه. وعند ذلك"قَالَ السَّائِلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ"أي كَبَّرَ فَرَحًَا وَسُرُورًَا بِهَذَا الجَوَابِ الذي ظَفَرَ بِهِ، لأَنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ أَقَامَ الحُجَّةَ البَالِغَةَ، والدَّلِيلَ القَاطِعَ على نَقْصِ عُثْمَانَ وَسُوءِ عَمَلِهِ.
"قَالَ: ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ!"أي: ليس فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتَ دَلِيلٌ وَاحِدٌ على سُوءِ عَمَلِ عُثْمَانَ؛ ولَكِنْ تَعَالَ أُفَسِّرُ لك هذه الأُمُورِ تَفْسِيرًا صَحِيحًَا."أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ!"وذلك فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فَلا وَجْهَ للطَّعْنِ فيه بعد عَفْوِ اللهَ تَعَالَى عنه."وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً"أيْ فَإِنَّ عُذْرَهُ فِي تَغَيُّبِهِ عن بَدْرٍ أَنَّ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت مريضة أثناء ذلك،"فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَسَهْمَهُ» "أي فأمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يبقى معها فِي المدينة ليقوم بِتَمْرِيضِهَا، وقال له: إِنَّ اللهَ سَيَكْتُبُ لك أَجْرِ من شَهِدَ هذه الغَزْوَةِ، وأَسْهَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له بِسَهْمٍ من الغَنِيمَةِ، فَفَازَ بِأَجْرِهَا وغَنِيمَتِهَا. ثُمَّ قَالَ:"وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّة مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ"لِمَكَانَتِهِ فِيهِم"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ» "أي فَأشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى يده اليُمْنَى وقال: هذه يد عُثْمَانَ"فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ"اليُسْرَى"فَقَالَ: هَذِهِ"البيعة"لِعُثْمَانَ"فَبَايَعَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو غَائِبٌ، وهذا أَشْرَفُ فَضِيلَةٍ لَهُ."فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ"أي اذهب بِهَذِهِ الأَجْوِبَةِ الصَّحِيْحَةِ إلى قَوْمِكَ لِتَكْشِفَ لَهُمْ عن شُبُهَاتِهِمُ البَاطِلَةِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: فَضْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الذي يَتَجَلَّى وَاضِحًَا فِي مُبَايَعَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه وهو غَائِبٌ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوانَ، وهذا يَدُلُّ على عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عنده، وثِقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به.
ثانيًا: بَيَانُ عُذْرِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الأُمُورِ الثَّلاثَةِ: أمَّا الفِرارُ فَبِالعَفْوِ، وأمَّا التَّخَلُّفُ فَبِالأَمْرِ، وأمَّا البَيْعَةُ فَبِإِرْسَالِهِ سَفِيرًَا إلى أَهْلِ مَكَّةَ.