الحديث: أخرجه مسلم والنَّسَائِيّ في الإِيمان، وأبو داود في الصلاة، والبُخَارِيّ في الشهادات والصوم وترك الحيل،
كما أخرجه هنا في هذا الباب.
معنى الحديث: يَقُولُ طَلْحَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ"- وهو ضمام بن ثعلبة -"ثَائِرَ الرَّأْسِ"أي ثَائِرَ شَعْرِ الرَّأْسِ على عَادَةِ المُسَافِرِ. ويَجُوزُ فيه الرَّفْعُ على أنَّه نَعْتٌ، والنَّصْبُ على الحالية."يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ"أي بُعْدُ صَوْتِهِ فِي الهَوَاءِ،"وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ"أي ولا يُفْهَمْ قوله، أو تُمَيَّزْ كلماته، لأنه كان ينادي من بعد."حَتَّى دَنَا"من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ"فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ"أي يسأل عن أركان الإِسْلام وأعماله البدنية والمالية."فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» "بالرَّفْعِ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف التَّقْدير: الإِسلام خمس صلوات، والمعنى: أوَّل أعمال الإِسلام الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في اليوم والليلة وهي من الأعمال البدنِية."فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟"أي هل يجب عليَّ من الصَّلاةِ غير هذه الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؟"قَالَ: «لاَ"أي لا يجب عليك من الصَّلَوَاتِ غيرها."إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"الاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكن إذا أتيْتَ بما زاد على هذه الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ من النَّوافل فإنَّه تَطَوُّعٌ مستحب تثاب عليه. وقال بعضهم: الاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلُ، والمعنى لا يجب عليك أي صلاةٍ أُخرى إلَّا إذا شَرَعَتَ في صَلاةِ نَافلةٍ فيجب عليك إتمامها، وكذلك أي تَطَوُّعٍ تَشْرَعُ فيه من صيام أو غيره.
ثُمَّ"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ» "أي والثَّاني من أعمال الإِسلام صيام رمضان."قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» "وقَدْ تَقَدَّم شرحه."قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ"أي وبَيَّنَ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ من أركان الإِسْلام أيْضًَا الزَّكَاة"قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» "أي لكن إنْ تَصَدَّقْتَ بغيرها فهو تَطُّوُعٌ تُثَابُ عليه لا وَاجِبٌ تَأْثَمُ بتركه."قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ"أي لا أزيد على هذه الفَرَائِضِ بفعل شَيْءٍ من النَّوَافِلِ، ولا أترك شيئًا منها"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» "أي إذا صدق في قوله هذا، فأدَّى هذه الأركان، فقد فاز بالجنة، ونجا من النَّار، ولو لَمْ يأت من النَّوَافِلِ شَيْئًَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: أنَّ من أَرْكَانِ الإِسْلامِ البدنية الصَّلاةُ والصَّومُ، ومن أَرْكَانِهِ المالية الزَّكَاةُ، ولَمْ يذكر الحَجَّ، ولعله لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بعد.
ثانيًا: أنَّ الزَّكَاةَ من الإِسْلام وقد ذكر البُخَارِيّ عِدَّةَ تَرَاجِم على هذا المنوال فقال في بعضها:"بَابُ الصَّلاةِ مِنَ الإِيمَانِ"وفي بعضها:"بَابُ اتباعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ"إلى غير ذلك، وغرضه منها ومن الأحاديث المخرجة فيها إثبات قضية من القضايا الإسلامية الهامة، وهي أنَّ العمل جزء من الإيمان، فليس الإِيمان مُجَرَد تَصْدِيقٍ بِالَقلْبِ وإقرارٍ باللِّسَانِ، وإِنَّمَا هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، كما عليه المحققون من أهل السنَّة.
ثالثًا: أنَّ صَلاةَ الوِتْرِ ليست واجبًا، لأَنَّ السَّائِلَ لما سأل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل عليه غير الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؟ قال: لا.