فهرس الكتاب

الصفحة 2110 من 2668

دَارِنَا وَقَدْ نَابَذْنَا مُحَمّدًا بِالْعَدَاوَةِ. فَانْصَرَفَ الرّسُولُ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هَذَا مَا قَالَ نُعَيْمٌ"اهـ (5) . ونجح نعيم بن مسعود فِي خطته، وزَالَ شَبَحُ الخَطَرِ، وبدت بوادر الفرج، وأراد اللهُ تَعَالَى أَنْ يَمُدَّ المُسْلِمين بِقُوَّةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فأرسل إليهم جندًا من عنده، وأرسل على قريش وغطفان عاصفة شديدة فِي ليلة شاتية باردة. عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} ، قَالَ:"يَعْنِي رِيحَ الصَّبَا، أُرْسِلَتْ عَلَى أَحْزَابِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى كَفَأَتْ قُدُورَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهَا، وَنَزَعَتْ فَسَاطِيطَهُمْ حَتَّى أَظْعَنَتْهُمْ". قال ابن كثير:"وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ:"مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ؟"فَشَرَطَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجْعَةَ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ. فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشِدَّةِ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي، فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: يَا حُذَيْفَةُ اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَفْعَلُونَ وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا.

قَالَ (حُذَيْفَةُ) : فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ بِهِمْ مَا تَفْعَلُ، لَا تُقِرُّ لَهُمْ قِدْرًا وَلَا نَارًا وَلَا بِنَاءً، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لِيَنْظُرِ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ إِلَى جَنْبِي فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: فلَان بن فلَان، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفُّ وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ وَبَلَغَنَا عَنْهُمُ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثمَّ ضربه فَوَثَبَ بِهِ على ثَلَاث، فَمَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ. وَلَوْلَا عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ: وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا؛ لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمٍ"اهـ (6) ."

(1) آطام: مُرْتَفع، وَيُرِيد كَثْرَة الرِّجَال.

(2) الجهام: السَّحَاب الرَّقِيق الّذي لَا مَاء فِيهِ.

(3) هَذَا مثل، وَأَصله فِي الْبَعِير يستصعب عَلَيْك، فتأخذ القرادة من ذروته وغارب سنامه وتفتل هُنَاكَ، فيجد الْبَعِير لَذَّةً، فيأنس عِنْد ذَلِك. فَضرب هَذَا الْكَلَام مثلا فِي المراوضة والمخاتلة.

(4) "سيرة ابن هشام ت السقا": (هَمَّ الرَّسُولُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَطَفَانَ ثُمَّ عَدَلَ) ج 2 ص 223.

(5) "مغازي الواقدي":"ذِكْرُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ"ج 2 ص 480 - 482.

(6) "السيرة النبوية لابن كثير":"غَزْوَة الخَنْدَق وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ"ج 3 ص 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت