فهرس الكتاب
وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا ... وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا
فَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ... قَدْ جَعَلُوا لِي بِكَدَاءَ مَرْصَدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا ... فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ"اهـ (4) .
قال الواقدي:"فَبَعَثَ إلَيْهِمْ ضَمْرَةَ يُخَيّرُهُمْ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ، بَيْنَ أَنْ يَدُوا خُزَاعَةَ أَوْ يبرأوا مِنْ حَلِفِ نُفَاثَةَ، أَوْ يَنْبِذُ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ. فَأَتَاهُمْ ضَمْرَةُ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَبّرَهُمْ بِاَلّذِي أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُخَيّرُهُمْ بَيْنَ أنْ يدوا قتلى خزاعة، أو يبرأوا مِنْ حِلْفِ نُفَاثَةَ، أَوْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ. فَقَالَ قُرَطَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو الْأَعْجَمِيّ: أَمّا أَنْ نَدِيَ قَتْلَى خُزَاعَةَ، فَإِنّ نُفَاثَةَ قَوْمٌ فِيهِمْ عُرَامٌ (5) فَلَا نَدِيهِمْ حَتّى لَا يَبْقَى لَنَا سَبَدٌ وَلَا لَبَدٌ (6) ، وَأَمّا أَنْ نَبْرَأَ مِنْ حِلْفِ نُفَاثَةَ فَإِنّهُ لَيْسَ قَبِيلَةً في العرب تحجّ هَذَا الْبَيْتَ أَشَدّ تَعْظِيمًا لِهَذَا الْبَيْتِ مِنْ نُفَاثَةَ، وَهُمْ حَلْفَاؤُنَا فَلَا نَبْرَأُ مِنْ حِلْفِهِمْ، مَا بَقِيَ لَنَا سَبَدٌ وَلَا لَبَدٌ، وَلَكِنّا نَنْبِذُ إلَيْهِ عَلَى سَوَاءٍ. فَرَجَعَ ضَمْرَةُ إلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك مِنْ قَوْلِهِمْ"اهـ.
وبذلك برأت ذِمَّتَهُ من قريش، وقامت عليهم الحُجَّةُ. وكانت رَايَةُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُهَا الزُّبَيْر بْنِ الْعَوَّامِ، وهي سَوْدَاء، أما اللِّواءُ فقد كان أَبْيَضُ اللَّوْنِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَهِدَ إلَى أُمَرَائِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، أَنْ لَا يُقَاتِلُوا إلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ. عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكّةَ نَهَارًا مِنْ كُدًى عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الْأَبْطَحِ، حَتّى دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكّةَ حَتّى انْتَهَى إلَى الْبَابِ الّذِي يُقَالُ لَهُ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ. فَلَمّا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَوَقَعَ زِمَامُ نَاقَتِهِ فَأَخَذَهُ بِشِمَالِهِ. قَالُوا: ثُمّ قَالَ حِينَ رَأَى الْبَيْتَ:"اللهُمّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرّا!".
وَدَخَلَ خَالِدٌ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ فَلَقِيَهُ بَنُو بَكْرٍ وَهُذَيْلٌ، فَقُتِلَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ عِشْرِينَ وَمِنْ هُذَيْلٍ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً، وَانْهَزَمُوا فَقُتِلُوا بِالْحَزْوَرَةِ (7) حَتَّى بَلَغَ قَتْلُهُمْ بَابَ الْمَسْجِدِ. ودخل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة، ثُمَّ قَالَ وهو واقف على بَابِ الكَعْبَةِ:"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ:"فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ". وبَايَعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلُ مَكَّةَ رِجَالًا ونِسَاءً فِي الصَّفَا، وهَدَمَ الأصْنَامَ التي كانت على الكَعْبَةِ وهو يقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ."
ثانيًا: أَنَّ فَتْح مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ حَرْبًَا انْتِقَامِيَّةِ وإِنَّمَا كان يَوْمًَا مُبَارَكًَا تعظّم فيه الكَعْبَةُ، وتَعِزُّ فيه قُرَيْشٌ بالإِسْلامِ.