بَيْعَةِ العَقَبَةِ التي كان يَعْتَزُّ بِهَا كَثِيرًَا، قال كَعْبٌ:"وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ"أي ولو خُيِّرْتُ بين حُضُورِهَا أو حُضُورِ غَزْوَةِ بَدْرٍ لاخْتَرْتُهَا، وفَضَّلْتُهَا عليها"وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ، أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا"أي وإن كانت بَدْرٌ أشْهَرُ منها عند غَيْرِي من النَّاسِ.
"كَانَ مِنْ خَبَرِي: أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ، فِي تِلْكَ الغَزَاةِ"أي لَمْ أَكُنْ فِي حَيَاتِي كُلّهَا أقْوَى جِسْمًَا، ولا أحْسَنُ صِحَّةً، ولا أيْسَرُ حالًا، مِنِّي فِي هذا الوقت الذي كانت فيه غَزْوَة تَبوُكَ،"وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا"أي إلا أَظْهَرَ للنَّاس أنَّهُ يُرِيدُ جِهَةً أُخْرَى حِرْصًَا على الكِتْمَانِ"حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ"أي حتَّى حَدَثَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ، فلم يُخْفِهَا، لأنَّهَا كَانَتْ"فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا"أي وعلم أنَّهُ سَيَسِيرُ بالمُسْلِمِينَ فِي فَلاةٍ وأرَاضٍ قَاحِلَةٍ ليس فيها قَطْرَة ماء، حتَّى إنَّ من يسير فيها يُعَرِّضُ نَفْسَهُ للهَلاكِ من شِدَّةِ العَطَشِ"وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمينَ أَمْرَهُمْ"أي فبيّن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُم أنَّهُ يريد غَزْوَ الرُّوْمِ"لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ"بضم الهمزة وسكون الهاء أي ليأخذوا معهم ما يَحْتَاجُونَ إليه فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ الصَّعْبَةِ من سِلاحٍ وعَتَادٍ"وَالمُسْلِمونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ"يبلغُ عَدَدُهُم ثَلاثِينَ ألفًَا"وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ"أي لَمْ تُقَيَّدْ أَسْمَاؤهُم فِي سِجِلٍّ حتَّى يُعْرَفَ الحَاضِرُ من الغَائِبِ.
"قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ"أي إلَّا اعْتَقَدَ أنَّهُ لا يَظْهَرُ غيابه وأنَّهُ سَيَخْفَى عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ"فيكشفه ويفضحه أمَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ"أي نَضَجَتْ الثِّمَارُ، وحَانَ اجْتِنَاؤهَا"وَالظِّلاَلُ"أي ورَغِبَ النَّاسُ فِي الجُلُوسِ تَحْتَ الأَشْجَارِ يَسْتَظِلُّونَ من وَهَجِ الشَّمْسِ"وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمُسْلِمونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا"أي فبدأت أذهب كُلَّ صَبَاحٍ إلى ُسوقِ المَدِينَةِ لكي أشتري ما أحتاج إليه فِي هذه الغزوة من عَتَادٍ وزَادٍ، ولكنَّنِي أعود إلى بَيْتِي وأنا لَمْ أُحْضِرْ مَعِيَ شَيْئًَا أغزو به"فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ"أي فأقول لِنَفْسِي محاولًا إقناعها إذا كنت لَمْ أَخْرُج اليوم فَإِنَّ فِي إمْكَانِي الخُرُوجَ غَدًَا"فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي"أي فلم يزل هذا الحال مُسْتَمِرًَّا بِي"حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ"حتَّى ضَاعَفَ النَّاسُ من جِدِّهِم واجْتِهَادِهِم فِي التَّهَيُّؤِ والاسْتِعَدادِ لهذه المعركة، ولا زِلْتُ أنا كما كُنْتُ لَمْ أَفْعَل شَيْئًَا"فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمُسْلِمونَ مَعَه"أَيْ أَصْبَحُوا وقد جَهَّزُوا أَنْفُسَهُم"وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُم"أي فَلَجَأْتُ إلى التَّسْوِيفِ، وصِرْتُ أُمَنِّي نَفْسِي، وأُحَاوِلُ إقْنَاعَهَا بأنَّ الفُرْصَةَ لا زَالَتْ مُواتِيَةً لَمْ تَفُتْ بَعْدُ، وإنَّ مَا لَمْ أَفْعَلْهُ اليَوْمَ أَفْعَلُهُ غدًا،