ثالثًا: أَنَّ الاعْتِمَادَ فِي العَقَائِدِ والتَّشْرِيعِ على المُحْكَمِ من آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَا حَذَّرَ مِنْ الاعْتِمَادِ على المُتَشَابِه دَلَّ ذلك على أَنَّ المُحْكَمَ هو الأَصْلُ الذي يُعْتَمَدُ عليه، ويُحْتَجُ بِهِ فِي الأَحْكَامِ: اعتقادية كانت أو عملية، كما قَالَ تَعَالَى: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله الذي يعتمد عليه. والقَوْلُ الصَّحِيحُ الذي عليه أَهْلِ السُّنَّةِ كما قال العلامة السَّعْدِي:"إنَّ المُتَشَابِه إذا وجدنا فِي مقابله نَصًَّا مُحْكَمًَا، وَجَبَ أَنْ نَرُدَّهُ إليه، ونَحْمِلُهُ عليه، ونُفَسِّرُهُ به، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فإنَّ قوله: (فَنَسِيَهُمْ) من المُتَشَابِهِ الذي يقابله من المُحْكَمِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) فَنَرُدُّ المُتَشَابِهَ إلى المُحْكَمِ، ونُفَسِرَهُ بِمُقْتَضَاهُ، فيكون معنى قوله: (فَنَسِيَهُمْ) أي حرمهم من فضله، ومنعهم من رَحْمَتِهِ، لأَنَّ اللهَ لا ينسى، كما دلت عليه الآية المحكمة، فوجب صرف النِّسْيَانِ إلى معنى يتفق معها، ويليق بجلال الله سبحانه وتعالى"اهـ.
وقال القرطبي:"وَالْمُرَادُ بِالْمُحْكَمِ مَا فِي مُقَابَلَةِ هَذَا، وَهُوَ مَا لَا الْتِبَاسَ فِيهِ وَلَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، ثُمَّ إِذَا رُدَّتِ الْوُجُوهُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَأُبْطِلَ الْبَاقِي صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا. فَالْمُحْكَمُ أَبَدًا أَصْلٌ تُرَدُّ إِلَيْهِ الْفُرُوعُ، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الْفَرْعُ"اهـ (2) .
وإِنْ لَمْ نَجِدْ مَا يقابله من المُحْكَم كأوائل السُّوَرِ فإنَّنَا نتوقف عن تفسيره، ونقول: اللهُ أَعْلمُ بِمُرَادِهِ، لأنَّهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ، فإِنَّمَا وقع فِي الزَّيْغِ والضَّلالِ من وقع من الكُفَّارِ وأهْلِ البِدَعِ والأَهْوَاءِ بسبب احْتِجَاجِهِم بالآيَاتِ المُتَشَابِهَةِ دون الرُّجُوعِ إلى المُحْكَمَاتِ التي هي أُمَّ الكتاب، أو تفسير مَا لَمْ يَكُنْ إلى علمه سَبِيلٌ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ، دُونَ خَلْقِهِ.
فَمِنَ الأَوَّلِ:"ما رواه ابن جرير عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ:"عَمَدُوا يَعْنِي الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ فَخَاصَمُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟"قَالَ: «بَلَى» ، قَالُوا: فَحَسْبُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْزَلَ: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) الآية."
ومِنَ الثَّانِي:"وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَالنَّفَرِ الَّذِينَ نَاظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَدْرِ مُدَّةِ أُكُلِهِ وَأُكُلِ أُمَّتِهِ، وَأَرَادُوا عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ: «الم، وَالمص وَالمر، وَالر» فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ فِيهِمْ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} يَعْنِي هَؤُلَاءَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ مَائِلَةٌ عَنِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، فَيَتَّبِعُونَ مَا"