فهرس الكتاب
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا"أَيْ فَرَآهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرِفًَا من المَجْلِسِ بعد أَنْ يَئِسَ من المَرْأَةِ"فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟» قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - عَدَّدَهَا"وفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ:"فَقَالَ: «مَا تَحْفَظُ مِنَ الْقُرْآنِ؟» ، قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيّ."قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"أيْ زَوَّجْتُكَ إيِّاهَا بِتَعْلِيمَكَ لَهَا بعض مَا تَحْفَظَهُ من القُرْآنِ، لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «فَقُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيّ والبَيْهَقِيّ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أنَّهُ يَجُوزُ للرَّجُلِ النَّظَرَ لِمَنْ يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، ولو بِلا إِذْنِهَا، قال فِي"تكملة المنهل العذب":"ولا نَعَلمُ فِي ذلك خِلافًَا. والحكمة فيه أنّهُ أَدْعَى لِحُسْنِ العِشْرَةِ، وبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، وروى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ (3) بَيْنَكُمَا» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وابن ماجة؛ والتِّرْمِذِيّ وقال:"هذا حديث حسن"، وإليه ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العلم فقالوا:"لا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرْ إليها مَا لَمْ يَرَ مِنْهَا مُحَرَّمًَا"؛ وهو قول أحمد وإسحاق. قال النَّوَوِيّ:"وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ مَنْ يُرِيدُ تَزَوُّجَهَا وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرِ الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ قَوْمٍ كَرَاهَتَهُ وَهَذَا خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ لِلْحَاجَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا؛ ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا يُبَاحُ لَهُ النظر إلى وجهها وكفيها فقط لأنَّهما ليسا بعورة، ولأنَّه يُسْتَدَلُّ بِالْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ أَوْ ضِدِّهِ، وَبِالْكَفَّيْنِ عَلَى خُصُوبَةِ الْبَدَنِ أَوْ عَدَمِهَا. هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ:"يَنْظُرُ إِلَى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ".
وَقَالَ دَاوُدُ:"يَنْظُرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا"؛ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ مُنَابِذٌ لِأُصُولِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاع. ِ ثُمَّ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ هَذَا النَّظَرِ رِضَاهَا، بَلْ لَهُ ذَلِكَ فِي غَفْلَتِهَا وَمِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِعْلَامٍ. لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ:"أَكْرَهُ نَظَرَهُ فِي غَفْلَتِهَا مَخَافَةً مِنْ وُقُوعِ نَظَرِهِ عَلَى عَوْرَةٍ". وَعَنْهُ -رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ - أَنَّهُ لَا ينظر إليها إلا بإذنها وهذا ضعيف"اهـ (4) ."
ثانيًا: دل الحديث على أنَّه لا بد في النِّكاح من الصَّدَاقِ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» ؟"وعلى أنَّه يكفي فِي المهر أقل ما يتمول. قال فِي"الحاوي الكبير":"فَأَمَّا أَقَلُّ الصَّدَاقِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مَبِيعًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ مُسْتَأْجَرًا، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ فِي ثَلَاثِ قَبَضَاتِ زَبِيبٍ