فهرس الكتاب
ذكره الذَّهَبِيّ في"الميزان"، ونقل عبارة العجلي عنه"جائز الحديث"، وقال ابن عدي:"لعل أهل الشام أخطئُوا عليه، فإنَّه إذا حدَّث عنه أهل العراق فروايتهم عنه شبه المستقيمة"، وَذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي"الثِّقَاتِ"؛ وقال:"يخطئ ويخالف". ومسألة رواية أهل الشَّام المناكير عنه، قال عنها الإمام أحمد:"كأن الذي روى عنه أهل الشَّام زهير آخر، فقلب اسمه".
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: يقول النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا يُصِيبُ المُسْلِم، مِنْ نَصَبٍ"يعني أن كل ما يصيب المُسْلِم من تعب بدني"وَلاَ وَصَبٍ"أي ولا مرض عضوي كالحمّى والصُّدَاع، وآلام المفاصل، أو آلام العين، أو الأذن، أو غير ذلك."وَلاَ هَمٍّ"أي ولا يصيبه هم، وهو انشغال الفكر من توقع حدوث شَيْءٍ مَكْرُوهٍ، أو فوات شَيْءٍ مَحْبُوبٍ فِي المُسْتَقْبَلِ كِالخَوْفِ من عَدُوٍّ، أو مرض، أو مفارقة قريب."وَلاَ حُزْنٍ"وهو أَلَمِ النَّفْسِ بسبب وقوع أَمْرٍ مَكْرُوهٍ، فِي الماضي"وَلاَ أَذًى"أي ولا يتعدى عليه أحدٌ بأيِّ نوع من أنواع التَّعَدِّي، ولو كان يسيرًا"وَلاَ غَمٍّ"يعني ولا يصيبه كرب وضيق نفسي لسبب من الأسباب"حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا"أيْ حَتَّى الشَّوْكَةُ التي يُصِيبُهُ بِهَا غَيْرُهُ، أو الشَّوْكَةُ التي تُصِيبُهُ قَدَرًا لأَيِّ سَبَبٍ"إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ"أي إلاّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا بَعْضَ خَطَايَاهُ. والمعنى: أنَّهُ لا يُصَابُ المُسْلِمَ بِأيِّ مَرَضٍ نَفْسِيٍّ كَالهَمِّ والغَمِّ وغيره، أَوْ مَرَضٍ بَدَنِيٍّ كَالحُمَّى والصُّدَاعِ ونَحْوِهِ، أو تَعَدٍّ أو ظُلْمٍ من غيره، حَتَّى الشَّوْكَة يُدْخِلُهَا غَيْرُهُ أَوْ تَدْخُلْ فِي جَسَدِهِ إلاّ كان ذلك غُفْرَانًَا وتَكْفِيرًَا لِخَطَايَاهُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ مُجَرَّد الإِصابة بالمرض أو غيره من البلايا كَفَّارَةٌ للخَطَايَا كما ترجم له البُخَارِيّ. قال الحافظ:"قَالَ الْقَرَافِيُّ الْمَصَائِبُ كَفَّارَاتٌ جَزْمًا سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِهَا الرِّضَا أَمْ لَا لَكِنْ إِنِ اقْتَرَنَ بِهَا الرِّضَا عَظُمَ التَّكْفِيرُ وَإِلَّا قَلَّ كَذَا قَالَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةٌ لِذَنْبٍ يُوَازِيهَا وَبِالرِّضَا يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَابِ ذَنْبٌ عُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا يُوَازِيهِ"اهـ (2) .
ثانِيًَا: البِشَارَةُ العَظِيمةُ للمُؤْمِنِ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ"البَلاءَ مُكَفِّرًا له"، وهو كما قال القَسْطَلانِيّ:"لا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًَا، فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ أَجْرَانِ، أَجْرٌ على مُصِيبَتِهِ وَأَجْرٌ على صَبْرِهِ".
والمطابقة: فِي كَوْنِهَ أَفَادَ أَنَّ الوَصَبَ وهو المَرَضَ كَفَّارَةٌ للخَطَايَا، وهو ما تَرْجَمَ لَهُ البُخَارِيّ.
(1) "فتح الباري"لابن حجر: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ) ج 10 ص 104.