العَرَبِ رَاسِخًَا فِي قلوبِهِم، بِخِلافِ حقوق الإنْسَان، فإنَّهُم كانوا يَجْهَلُونَهَا، ويتهاونون فيها فِي الجاهلية، فَشَّبَهَ لَهُم هذه بِهذه لتأكيد حُرْمَتِهَا.
ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ"فأمرهم أنْ لا يكتفوا بِسَمَاعِ حديثه هذا والعمل به فقط، بل عليهم أيْضًَا أنْ يقوموا بتبليغه وروايته إلى غَيْرِهِم، فَلْيُبَلِّغِ الحاضر منهم الغَائِبَ، ويروي له حديث النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا، ليَبْقَى الحديث مَوْجُودًَا فِي أُمَّتِهِ تتداوله الأجيال جيلًا بعد جيل إلى قيام السَّاعَةِ؛ ولتؤخذ منه المسائل، وتستنبط الأحكام الفِقْهِيَّةِ على مَرِّ الأزْمَانِ والعُصُورِ"فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ"أي فَإِنَّ راوي الحديث قد يبلغه إلى من هو أفقه وأقْدَر على استنباط الأحكام الشَّرْعِيَّةِ منه.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: مَشْرُوعِيَّةُ التَّبْلِيغِ ورِوَايَةِ الحديث، وشرف هذا العلم، وأهله، وَرَحِمَ اللهُ السيوطي إذ يقول:
مَنْ كَانَ مِنْ أهلِ الحَدِيْثِ فَإِنَّهُ ... ذُوْ نَضْرَةٍ فِي وَجْهِهِ نُورٌ سَطَعْ
إِنَّ النَّبِيّ دَعَا بِنَضْرِةِ وَجْهِ مَنْ ... أَدَّى الحَدِيْثَ كَمَا تَحَمَّل وَاتَّبّعْ
يشير رَحِمَهُ اللهُ إلى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غيرَه، فَرُبَّ حاملِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ، ورُبَّ حاملِ فِقْهٍ ليس بِفَقيه" (1) .
ثانيًا: تَقْرِيرُ حُقُوقِ الإِنْسَانِ وأنَّهَا مُحَرَّمَةٌ على أخيه الإِنْسَانِ مُطْلَقًَا بصرف النَّظَرِ عن دِينِهِ ومذهبه وعنصره وجنسيته، فلا يَجُوزُ الاعْتِدَاء عليها - إلا بِحَقِّهَا -. ولَمْ تُشْرَع الحُدُودُ الشَّرْعِيّة إلَّا لِصِيَانَةِ الدِّينِ والنَّفْسِ والمَالِ والعِرْضِ (2) والنَّسَبِ والعَقْلِ، وحِمَايَةِ هذه الحقوق الإنسانية كلها، كما هو مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإِسْلامِيّ.
ثالثًا: أنَّ العِلْمَ بالحديثِ شَيْءٌ والفِقْهَ فيه شَيْءٌ آخَرَ، فَقَدْ يروي المُحَدِّثُ، إلى مَنْ هو أفقه منه، وقد يكون المُحَدِّثُ غير فَقِيهٍ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ".
(1) قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 6763 في صحيح الجامع. وقال في"تخريج أحاديث إحياء علوم الدين": (رواه أحمد والتِّرْمِذِيّ وحسَّنهُ؛ وابن حبان والبَيْهَقِيّ. قال عبد الغني في الأدب: تذاكرت أنا والدَّارَقُطنِيّ طرق هذا الحديث فقال:"هذا أصح شيء روي فيه") اهـ.
(2) قارن بين حد الشريعة في من يرتكب جريمة اللواط - أي أن يأتي الرَّجُلُ الرَّجُلَ في دبره - وبين الذين يريدون تشريع زواج المثليين (أي زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة) من أحفاد القردة والخنازير والضآلين من النصارى والمتمسلمين فقد قال في"نيل الأوطار":"أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ: يُرْجَمُ اللُّوطِيُّ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ فِي حَقِّ رَجُلٍ يُنْكَحُ كَمَا يُنْكَحُ النِّسَاءُ، فَسَأَلَ أَصْحَابَ"