الشِّفَاءَ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا، وإِنَّمَا نَبَّهَ بِهذه الثَّلاثَةِ على أُصُولِ العِلاِج واخْتِلافِهَا بِاخْتِلافِ طَبِيعَةِ الأمْرَاضِ من بَارِدَةٍ إلى حَارَّةٍ إلى غير ذلك"اهـ (1) :"
"شَرْبَةِ عَسَلٍ"أي النَّوْعُ الأَوَّل شَرْبَةُ العَسَل، إمَّا وَحْدَهُ، أو مَخْلُوطًَا بالمَاءِ، أو مَخْلُوطًَا بِالسَّوائِلِ الأُخْرَى، أو مُرَكَّبًَا من غيره، لأنَّهُ شِفَاءٌ، كما قَالَ تَعَالَى: (فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ) .
"وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ"بكسر الميم، وفتح الجيم، وهو فِي الأَصْلِ الآلَة التي يُجْمَع فيها دَمُ الحِجَامَةِ، ويُرَادُ بِهَا هنا الآلة التي يُشْرَطُ بِها، ومعناه: أنَّ النَّوْعَ الثَّانِي من الأَدْوِيَةِ إخْرَاجُ الدَّمِ الفاسِدِ بِوَاسِطَةِ الحِجَامَةِ.
"وَكَيَّةِ نَارٍ"أي والنَّوْعُ الثَّالِثُ: الكَيُّ بِالنَّارِ"وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ"لِمَا فيه من إيْذَاءِ المَرِيضِ وتَعْذِيبِ بَدَنِهِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ أَفْضَل العِلاجَاتِ والأَدْوِيَّةِ النَّافِعَةِ بإذْنِ اللهِ ثَلاثَةٌ:
الأَوَّلُ: العَسَلُ الذي أخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عنه أنَّهُ شِفَاءٌ للنَّاسِ، ولا يَمْنَعُ من اعْتِبَارِهِ دَوَاءً نَاجِحًَا كَوْنُهُ يَضُرُّ بِبَعْضِ الأَمْرَاضِ الحَارَّةِ مَثَلًا، فَإنَّ العِبْرَةَ بِالغَالِبِ؛ والنَّادِرُ لا حُكْمَ لَهُ. ويَكْفِي لاعْتِبَارِهِ مِنْ أَهَمِّ الأَدْوِيَةِ مَا ثَبَتَ عِلْمِيًَّا أنَّهُ غَنِيٌ بِالمَعَادِنِ: مثل الحَدِيدِ والكَلْسِيُوم، والصُّودْيُوم، والكِبْرِيت، والبُوتًاسْيُوم. والفُوسْفُور، وله خَاصِيَّةٍ مُبِيدَةٍ للجَرَاثِيمِ. أمَّا الفيتامينات التي يحتويها، وعلى رأسها الفيتامين (سي c) فتساعد على تَقْوِيَةِ الكَلْسِ فِي العِظَامِ، ولذا فَهُوَ مُفِيدٌ جِدًَّا للأطفال إذ يساعد عِظَامَهُم على التَّصَلُّبِ، ويُثَبِّتْ أسْنَانَهُم ويقيهم شَرَّ الكُسَاحِ، وتَقَوُّسَ السَّاقَيْنِ، ونَخْرَ الأسْنَانِ. ومن فوائده الطِّبِّيَّةِ أنَّهُ يُنَظِّمُ حَرَكَة التَّنَفُّسِ، وخَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ للمُصَابِينَ بِأَمْرَاضِ الصَّدْرِ، كما أَنَّ له تَأْثِيرًَا مُلَطِّفًَا فِي حَالاتِ الجَفَافِ، وصُعُوبَةِ البَلْعِ والسُّعَالِ"اهـ. كما أفاده الدكتور القَبَّانِي فِي كتابه"الغِذَاءُ لا الدَّوَاءُ"وقَالَ فِي"المعتمد":"وهو نَافِعٌ لأَصْحَابِ الأَمْزِجَةِ البَارِدَةِ والشُّيُوخِ، يُقَوِّي جَوْهَرَ حَرَارَتِهِم الغَرِيزِيَّةِ، ويُوَلِّدُ فِيهِم دَمًَا جَدِيدًَا لا سِيَّمَا فِي الشِّتَاءِ. وهو حَارٌ يَابِسٌ يُقَوِّي المَعِدَةَ، وَيُلَيِّنُ الطَبْعَ، ويُحِدُّ البَصَرَ، ويَحْفَظُ على البَدَنِ صِحَّتَهُ أيَّامَ حَيَاتِهِ، ويزيد فِي شَهْوَةِ البَاهِ، ويَنْفَعُ من الفَالِجِ والاسْتِرْخَاءِ، وتُعْجَنُ به الأَدْوِيَّةُ فَيَحْفَظُهَا"اهـ."وقال ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:"عَلَيْكَ بِالْعَسَلِ فَإِنَّهُ جَيِّدٌ لِلْحِفْظِ، وَأَجْوَدُهُ أَصْفَاهُ وَأَبْيَضُهُ، وَأَلْيَنُهُ حِدَّةً، وَأَصْدَقُهُ حَلَاوَةً، وَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ لَهُ فَضْلٌ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْخَلَايَا، وَهُوَ بِحَسَبِ مَرْعَى نَحْلِهِ"اهـ (2) .