فهرس الكتاب

الصفحة 2518 من 2668

عَنْهَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ"وذلك لأَنَّ المُجَاهَرَةَ وَقَاحَةٌ وجُرْأةٌ وانْتِهَاكٌ لِحُدُودِ اللهِ، واسْتِخْفَافٌ بِالشَّرِيعَةِ. قال الحافظ:"قَالَ بن بَطَّالٍ:"فِي الْجَهْرِ بِالْمَعْصِيَةِ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ، وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الْعِنَادِ لَهُمْ، وَفِي السِّتْرِ بِهَا السَّلَامَةُ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ"اهـ (6) ."

ثَانِيًَا: أَنَّ المُجَاهِرَ بِالمَعْصِيَةِ يَجُوزُ اغْتِيَابِهِ، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَهُ بِالمَجَانَةِ، وهِيَ الاسْتِخْفَافِ بِمَحَارِمِ

اللهِ، والتَّبَاهِي بِهَا أمَامَ النَّاسِ، ومَنْ كَانَ هذا حَالُهُ يَنْبَغِي التَّشْهِيرُ بِهِ فَيَجُوزُ اغْتِيَابِهِ، لأَنَّهُ نَزَعَ جِلْبَابَ الحَيَاءِ، فلا حُرْمَةَ ولا كَرَامَةَ لَهُ فِي نَظَرِ الإِسْلامِ. وأَخَذَ بَعْضُهُم جَوَازَ غَيْبَةِ المُجَاهِرِ من قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ" (5) . قال فِي"مرقاة المفاتيح":"وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْفَاسِقِ بِمَا فِيهِ لِيُعْرَفَ أَمْرُهُ فَيُتَّقَى لَا يَكُونُ مِنَ الْغِيبَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ كَانَ مُجَاهِرًا بِسُوءِ أَفْعَالِهِ وَلَا غِيبَةَ لِمُجَاهِرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنَ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْغِيبَةُ الْمُجَاهِرُ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يَجْهَرُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ"اهـ (6) .

والمطابقة: قيل: لَا مُطَابقَةَ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَبَيْنَ الحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَعْقُودَةٌ لِسَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ وَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ سَتْرُ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِ!! قال الحافظ:"وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِذَمِّ مَنْ جَاهَرَ بالمعصية فيستلزم مَدْحَ مَنْ يَسْتَتِرُ! وَأَيْضًا فَإِنَّ سِتْرَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمٌ لِسِتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ. فَمَنْ قَصَدَ إِظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُجَاهَرَةَ بِهَا أَغْضَبَ رَبَّهُ فَلَمْ يَسْتُرْهُ، وَمَنْ قَصَدَ التَّسَتُّرَ بِهَا حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِسَتْرِهِ إِيَّاهُ"اهـ (7) .

(1) بضم الميم وفتح الفاء اسم مفعول من العَافِيَةِ والسَّلامَةِ فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِمَغْفِرَةِ اللهِ وعَفْوِهِ.

(2) قال الحافظ فِي"الفتح": وفِي رواية النَّسَفِي"إلا المجاهرون"بِالرَّفْعِ، وصَوَابُهُ عند البَصْرِيّين بالنَّصْبِ. (ع) .

(3) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ) ج 10 ص 486.

(4) قال فِي"فتح الغفار":"قال فِي"الخلاصة": قَالَ ابْنُ عَبْد البَرِّ لا أعلم من أسند هذا اللفظ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، قلت:"أسنده الحاكم والبَيْهَقِيّ من رواية ابن عمر بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ على شَرْطِ البُخَارِيّ ومُسْلِم"اهـ."

(5) كما جَاءَ فِي الحديث:"من ألْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غَيْبَة لَهُ"أَخْرَجَهُ ابْن عدي وَابْن حبَان فِي الضُّعَفَاء من حَدِيث أنس بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.

(6) "مرقاة المفاتيح": [بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ] ج 7 ص 3033.

(7) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ) ج 10 ص 488.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت